أمنا عائشة | الحلقة (19) | يا عائشة، إن الأمر أشد من أن يهمهم ذلك
يا عَائِشَة، إن الأمر أشد من أن يهمهم ذلك
الحَيَاءُ فِطرَةٌ فَطَرَ اللهُ عليها المَرْأَةَ، وَهُوَ مِنْ أجمَلِ صفاتِها، ولكنَّهُ صِفةٌ قابِلَةٌ للتَّغيِيرِ والتَّبديلِ. فإِذا رُبِّيَت الفَتاةُ مِنَ الصِّغَرِ عَلَى الحِياءِ فِي لِباسِها، وحَركاتِها، وتعامُلِها مَعَ النَّاسِ، نَمَتِ الفِطرَةُ بشكلٍ سليمٍ. وإنْ غُيِّرت الفِطرَةُ وقُتلتْ فِي الصِّغَرِ، ماتَ الشُّعورُ بالحياءِ عِنْدَ الكِبَرِ، وسَهُل علَيها أنْ تفعلَ ما تشاءُ.
وفِي مَوقفٍ مِنْ مواقفِ تَرْبِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، تتجلَّى لنا بشكلٍ عَفَوِيٍ غَيرَ مُتكلَّفٍ، الفِطرَةُ السَّليمَةُ الَّتِي نشأت عليها عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا.
تخبرُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا ذاتَ يومٍ: ((إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حُفَاةً، عُرَاةً، غُرْلاً))، قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟! قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، إِنَّ الأَمْرَ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَلِكَ)). (رواه البخاري)
يصِفُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا حالَ النَّاسِ يومَ القِيَامَةِ، وأنَّهم يُحشرونَ كَمَا ولَدَتهُم أُمَّهاتُهم؛ عُراةً، حُفاةً، غَيرَ مَختونينَ. وَهَذَا مِنْ أهوالِ يومِ القِيَامَةِ.
فكانتْ ردَّةُ فعلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي جانبٍ آخرَ غَيرِ الموضوعِ الَّذِي يَتحدَّثُ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذْ تحرَّكَ الحياءُ فِي نَفسِها مِنْ صُورةِ العُراةِ، فسألتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُستنكِرَةً: الرِّجالُ والنِّساءُ يَنظرُ بَعضَهم لبعضٍ؟!
إنَّ استنكارَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا نابعٌ مِنَ التَّرْبِيَّةِ القرآنِيَّةِ والنَّبَوِيَّةِ الَّتِي تربَّت عليها فِي موضوعِ اللِّباسِ والزِّينَةِ وسترِ العوراتِ.
فقدْ تربَّت عَلَى قول الله تعالى: (يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ٢٦ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ) [الأعراف: 26-27]
قالَ مُحَمَّد رشيد رضا رحمه الله : ((خَاطَبَ اللهُ تَعَالَى بَنِي آدَمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَأَمْثَالِهَا بِالنِّدَاءِ الَّذِي يُخَاطَبُ بِهِ الْبَعِيدُ، لِمَا كَانَ عَلَيْهِ عَرَبُهُمْ وَعَجَمُهُمْ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي مَكَّةَ مِنَ الْبُعْدِ عَنِ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وَالشِّرْعَةِ الْقَوِيمَةِ، تَنْبِيهًا لِلْأَذْهَانِ، بِمَا يَقْرَعُ الْآذَانَ، فَامْتَنَّ عَلَيْهِمْ - بَعْدَ أَنْ أَنْبَأَهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ عُرْيِ سَلَفِهِمُ الْأَوَّلِ - بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ اللِّبَاسِ عَلَى اخْتِلَافِ دَرَجَاتِهِ وَأَنْوَاعِهِ، مِنَ الْأَدْنَى الَّذِي يَسْتُرُ السَّوْءَةَ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ إِلَى أَنْوَاعِ الْحُلَلِ الَّتِي تُشْبِهُ رِيشَ الطَّيْرِ فِي وِقَايَةِ الْبَدَنِ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ بِسَتْرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الزِّينَةِ وَالْجِمَالِ اللَّائِقَةِ بِجَمِيعِ ذُكْرَانِ الْبَشَرِ وَإِنَاثِهِمْ عَلَى اخْتِلَافِ أَسْنَانِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ)) (تفسير المنار 8/319).
فإذا كانَ اللِّباسُ جمالاً يَتزَيَّنُ بِهِ النَّاسُ، فالعُرِيِّ قُبحٌ عِنْدَ النُّفوسِ السليمةِ.
كَمَا تربَّتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَلَى قولِهِ تعالى: (وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ ) [الأحزاب: 33]
قَالَ سيِّد قطب رحمه الله: ((ولقدْ كانت المَرْأَةُ فِي الجاهليَّةِ تتبرَّجُ، ولكن جميع الصُّورِ الَّتِي تُروَى عَنِ تبرُّجِ الجاهليَّةِ الأولى تبدُو ساذَجَةً أَوْ مُحتشِمَةً حينَ تُقاسُ إِلَى تَبرُّجِ أيَّامِنا هَذِهِ فِي جاهليَّتِنا الحاضرةِ! قَالَ مجاهدٌ: كانتِ المَرْأَةُ تخرجُ تمشي بينَ الرِّجالِ. فذلك تبرج الجاهليَّة! وقالَ قَتادة: وكانت لهُنَّ مشيةُ تكسُّرٍ وتغنُّجٍ. فنهى اللهُ تعالى عَنْ ذلك. وقالَ مقاتل بن حيان: والتبرُّجُ أنَّها تُلقي الخمارَ عَلَى رأسِها ولا تشدُّهُ فَيُداري قلائِدَها وقِرطَها وعُنُقَها، ويبدو ذلكَ كُلُّهُ مِنْها. وذلك التَّبرُّج)). ( في ظلال القرآن 5/2860).
إنَّ المَرْأَةَ لا تكشفُ عَنْ شيءٍ مِنْ جسدِها أمامَ الرِّجَالِ الأجانبِ إلاَّ إذا قَتلَت جزءًا مِنَ الحياءِ فِي نَفسِها.
وبقدرِ ما تتعرَّى المَرْأَةُ أمامَ الرِّجَالِ، بقدرِ ما يذهبُ ماءُ الحياءِ مِنْ وجهِهَا.
كَمَا تربَّتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، عَلَى قاعدةِ الحياءِ المرتبطةِ بأفعالِ الإِنْسَانِ وَهِيَ قولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ)). (رواه أحمد)
إنَّ النصوصَ الشَّرعيَّةَ الَّتِي تربَّتْ عليها عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، بَنَتْ فِي نَفسِها هَذَا الحياءَ العظيمَ، والَّذِي شغلها عَنْ مَوضوعِ أهوالِ يومَ القِيَامَةِ، لِتَسألَ عَنِ المركوزِ فِي فطرتها وَهُوَ قُبْحُ التَّعرِّي أمامَ النَّاسِ.
إنَّ إبرازَ المَرْأَةِ لمفاتِنها وتعرِّيَها، هُوَ شهوةٌ مِنْ شهواتِ النَّفس، إلَّا أنَّ النِّساءَ يتفاوَتنَ فِي طريقةِ التَّعرِّي بحسبِ تفاوتِهُنَّ فِي الإيمانِ:
فمِنْهُنَّ مَنْ لا تَتعرَّى إلَّا لِزوجِها، فَهذِهِ المُؤمِنةُ.
ومِنْهُنَّ مَنْ تَتعرَّى فِي التَّجمُعاتِ النِّسائِيَّةِ، بِحُجَّةِ أنَّها مَعَ النِّسَاءِ، وأنَّ المَرْأَةَ لا تَستَحِي مِنَ المَرْأَةِ.
ومِنْهُنَّ مَنْ تَتَعرَّى فِي كُلِّ مكانٍ، وأمامَ كُلِّ النَّاسِ، فَهِيَ كَقِطعَةِ لَحمٍ مَعروضَةٍ فِي السُّوقِ أمامَ الذِّئابِ البَشَرِيَّةِ، قَدْ ماتَ الحياءُ والإحساسُ عِنْدَها.
وبَيْنَ هَذِهِ الأصنَافِ دَرجاتٌ مُتفاوِتَةٌ مِنَ التَّعرِّي بحسبِ حياءِ كُلِّ امرأةٍ.
ولكنْ لماذا لا يلتفتُ الرِّجَالُ للنِّساءِ فِي المَحْشَرِ مَعَ أنَّهُنَّ عارياتٌ تمامًا كَمَا خَلَقَهُنَّ اللهُ، والعكسُ كذلكَ؟
والجوابُ عَلَى هَذَا السُّؤالِ نجدُهُ فِي ردِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سُؤالِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، لما قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، إِنَّ الأَمْرَ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَلِكَ)).
إنَّ الَّذِي شغلَ الرِّجَالَ والنِّسَاءَ عَنِ النَّظرِ لبعضهم مَعَ أنَّهُم عُراةٌ، هُوَ شِدَّةُ هولِ الموقفِ فِي ذلكَ اليومِ، والَّذِي يجعلُ الإِنْسَانَ لا يَنظرُ لمَا حولَهُ، ولا يُشغِلُهُ شيءٌ عمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الشدَّةِ والهولِ والفزعِ. قَالَ تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ ١ يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ) [الحج: 1-2] ، وقال سبحانه: (كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ) [المدثر: 38] هَذَا الَّذِي يُشغلُ النَّاسَ فِي ذلكَ اليومِ؛ حصادُ أعمالِهم.
وَإِذَا تذكَّرْنَا أنَّ الجزاءَ مِنْ جِنسِ العملِ، فإنَّ العاريَةَ فِي الدُّنْيَا عاريةٌ يومَ القِيَامَةِ، لقولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ، أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ)). (رواه البخاري)
وقدْ فسَّرَ العُلماءُ (الكاسِيَة) فِي الحديثِ بعدَّةِ تفسيراتٍ، مِنْهَا: أنَّها الَّتِي تلبسُ الملابسَ الَّتِي تصفُ جَسدَها كأنَّها عاريةٌ، وَهِيَ الَّتِي أشارَ إليهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حديثٍ آخرَ بقولهِ: ((صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا، قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاَتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)). (رواه مسلم)
فإذا كانَ هَذَا حالَ مَنْ تَلبَسُ الملابسَ فِي الدُّنْيَا ولكنَّها لا تَستُرُها، إمَّا لأنَّها شفَّافةٌ، أَوْ لأنَّها تُفصِّلُ الجسدَ، فكيفَ سيكونُ حالُ العاريةِ؟!
إنَّ استنكارَ عَائِشَةَ لهذا الموقفِ يُعطينا إشارةً إِلَى أنَّ المَرْأَةَ الحَيِيَّةَ لا تَقبلُ مثلَ هَذِهِ المشاهدَ، ولا تسكُتُ عَنْ إنكارِها. لقول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ)).
فلا تَترُكي أُختِي المسلمةَ النُّصحَ والإنكارَ عَلَى العارياتِ، أَوْ الكاسياتِ العارياتِ، فلعلَّ اللهَ أنْ يُنقذهنَّ بكِ مِنَ النَّارِ.
وفِي قيامِكِ بإنكارِ المُنكرِ حياةٌ لقَلْبِكِ وزيادةُ إيمانِهِ، ونَماءٌ للحياءِ فِيهِ.
نُكْمِلُ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ
والحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين