أمنا عائشة | الحلقة (23) | يا عائشة، يصيرون معهم، ثم يبعثون على نياتهم

يا عَائِشَة يصيرون معهم ثمَّ يبعثون عَلَى نياتهم مِنْ سُنَنِ اللهِ الجاريةِ فِي الأرضِ: هلاكُ الصَّالحينَ بشؤمِ الأشرارِ، إذا كَثُرَ الخَبَثُ. وتفصيلُ ذلكَ أنَّ النَّاسَ ينقسمونَ إِلَى ثلاثةِ أقسامٍ: المصلحونَ، والصَّالحونَ، وأهلُ الشَّرِ. فالمصلحونَ: هُمُ الَّذِينَ يَحرصونَ عَلَى صلاحِ النَّاسِ وإنقاذِهم مِنَ النَّارِ، بإسداءِ النُّصحِ لَهُم، وقيامِهم بالأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عَنِ المنكرِ. ويتحملونَ فِي ذلكَ كُلَّ أذىً يأتيهم مِنَ النَّاسِ. وأما الصَّالحونَ: فهم أناسٌ لا يفعلونَ المنكرَ، ولكِنَّهم لا يُنكرونَ عَلَى أهلِ المُنكرِ، بَلْ قَدْ يُنكرونَ عَلَى المُصلِحينَ الَّذِينَ يأمرونَ بالمعروفِ وينهونَ عَنِ المُنكرِ. وقدْ ذكرَ الله سُبْحَانَهُ وتعالى هَذِهِ الأصنافَ فِي قصَّةِ أصحابِ السَّبتِ، فقال: (وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ يَعۡدُونَ فِي ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِيهِمۡ حِيتَانُهُمۡ يَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعٗا وَيَوۡمَ لَا يَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِيهِمۡۚ كَذَٰلِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٣ وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٦٤ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٥) [الأعراف: 163-165] فالنَّاسُ فِي هَذِهِ القصَّةِ ثلاثةُ أصنافٍ؛ المعتدونَ فِي السَّبتِ، والَّذِينَ أنكرُوا عَلَيْهم، والَّذِينَ لمْ يَفعلُوا المنكرَ، ولمْ يُنكروا عَلَى مَنْ فَعلَهُ. ولمَّا أنزلَ اللهُ العقوبةَ عَلَيْهم، ذكرَ الَّذِينَ نجَّاهُم، وهُمُ الَّذِينَ أنكروا المُنكرَ، وذكرَ الَّذِينَ أهلكَهم، وهمُ الَّذِينَ فعلوا المُنكرَ، وسكتَ عَنِ الفريقِ الثَّالثِ ولمْ يذكُر مَصيرَهُم. قَالَ ابن كثير رحمه الله: (( يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ أَنَّهُمْ صَارُوا إِلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ فِرْقَةٌ ارْتَكَبَتِ الْمَحْذُورَ وَاحْتَالُوا عَلَى اصْطِيَادِ السَّمَكِ يَوْمَ السَّبْتِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَفِرْقَةٌ نَهَتْ عَنْ ذلك وَاعْتَزَلَتْهُمْ وَفِرْقَةٌ سَكَتَتْ فَلَمْ تَفْعَلْ وَلَمْ تَنْهَ وَلَكِنَّهَا قَالَتْ لِلْمُنْكِرَةِ (لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً) أَيْ لِمَ تنهون هؤلاء وقد علمتم أنهم قد هَلَكُوا وَاسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ مِنَ اللَّهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي نَهْيِكُمْ إِيَّاهُمْ، ... قَالَ تَعَالَى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ) أي: فلما أبى الفاعلون قَبُولَ النَّصِيحَةِ (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا) أَيْ ارْتَكَبُوا الْمَعْصِيَةَ (بِعَذابٍ بَئِيسٍ) فَنَصَّ عَلَى نَجَاةِ النَّاهِينَ، وَهَلاكِ الظَّالِمِينَ، وَسَكَتَ عَنِ السَّاكِتِينَ، لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَهُمْ لا يَسْتَحِقُّونَ مَدْحًا فَيُمْدَحُوا، وَلا ارْتَكَبُوا عَظِيمًا فَيُذَمُّوا، وَمَعَ هَذَا فَقَدَ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِيهِمْ هَلْ كَانُوا مِنَ الْهَالِكِينَ أَوْ من الناجين على قولين)). (تفسير ابن كثير 3/445) فما مصيرهم؟ هُنا يَأتي تَساؤلُ أُمِّنَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنْ هَذَا الفريقِ الثَّالثِ، وهمُ الصَّالِحُونَ، عِنْدَمَا يَنزِلُ العذابُ عَلَى قريةٍ مِنَ القُرى، أَوْ مُجتمعٍ مِنَ المجتمعاتِ، فتقولُ عائشةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَنْزَلَ سَطْوَتَهُ بِأَهْلِ الْأَرْضِ وَفِيهِمُ الصَّالِحُونَ فَيَهْلِكُونَ بِهَلَاكِهِمْ؟ فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَنْزَلَ سَطْوَتَهُ بِأَهْلِ نِقْمَتِهِ وَفِيهِمُ الصَّالِحُونَ فَيُصَابُونَ مَعَهُمْ ثُمَّ ‌يُبْعَثُونَ ‌عَلَى ‌نِيَّاتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ)). (رواه ابن حبان) لقدْ وعدَ اللهُ بنجاةِ الَّذِينَ يَنْهوَنَ عَنِ السوءِ مِنَ العُقوبَةِ العامَّةِ، والَّتِي تنزلُ بالمجتمعِ بسببِ تمادِي أهلِهِ فِي فعلِ المنكرِ. بلْ وعدَ اللهُ القُرى بالنَّجاةِ مِنَ العذابِ العامِّ لو قامَ أفرادُها بالإصلاحِ فيها، فقالَ سُبْحَانَهُ: (فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ ‌أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ ١١٦ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ ١١٧)[هود: 116-117] فإذا تَوقَّفَ المجتمعُ عَنِ القيامِ بدورِ الإصلاحِ، وكَثُرَ الخبثُ، حَلَّتِ العقوبَةُ العامَّةُ، ولو كانَ فِي هَذِا المجتمعِ أناسٌ صالحونَ. والسُّكوتُ عَنِ المنكرِ أمرٌ محرَّمٌ فِي الإِسْلَامِ، فلا يجوزُ أنْ يَسكتَ المجتمعُ بأكملِهِ عَنِ إنكارِ المنكراتِ المُعلنةِ فِيهِ. فعَنْ أُمِّ سَلمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ عَليْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِىَ وَتَابَعَ)). قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا نُقَاتِلُهُمْ؟ قَالَ: ((لا، مَا صَلُّوا)). (رواه مسلم) قَالَ القاضي عياض رحمه الله: ((وقولُهُ: (فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ)، أيْ: مِنْ مُعاقَبَةِ اللهِ لَهُ عَلَى الإقرارِ عَلَى المنكرِ، وبرئَ بكراهيتِهِ مِنَ الرِّضا والمتابعةِ. وفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى لزومِ قولِ الحقِّ وإنكارِ المُنكرِ. وقولُهُ: (وَلَكِنْ مَنْ رَضِىَ وَتَابَعَ): دليلٌ عَلَى أنَّ المعاقبةَ عَلَى ‌السُّكوتِ ‌عَلَى ‌المنكرِ إنَّما هُوَ لمَنْ رَضِيَهُ، وأعانَ فِيهِ بقولٍ أَوْ فعلٍ أَوْ متابعةٍ، أَوْ كانَ يقدرُ عَلَى تغييرِهِ فتركَهُ. فأمَّا مَعَ عدمِ القُدرةِ فبالقلبِ وعدمِ الرضا بِهِ)). (إكمال المعلم 6/ 264) وقَالَ ابنُ النَّحاسِ رحمه الله: (( قولهُ تعالى: وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ‌ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ [البقرة: 195] قلت: هَذِهِ الآيةُ جاريةٌ عَلَى أَلسِنَةِ كثيرٍ مِنَ النَّاس فِي مثل هَذَا لِمَا غلبَ عليهم مِنَ الجهلِ بوجوبِ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عَنِ المنكرِ، ولِمَا استولى عَلَى قُلوبِهم مِنَ الرُّكونِ إِلَى مُداهنةِ الخَلْقِ وإيثارِ مودَّتِهم وبقاءِ صُحبتِهم، وثِقَلِ كلمةِ الحقِّ عَلَى ألسنتهم، وما يلقيهِ الشَّيْطَانُ فِي قُلوبِهم مِنَ الخوفِ والجُبنِ، وتقديرِ البعيدِ مِنَ الضَّرورةِ قريبًا، واعتقادِ السُّكوتِ عَلَى المنكرِ وجوبًا، وما عَلِموا أنَّ التَّهلكةَ هِيَ تركُ الأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عَنِ المنكرِ، وأنَّ النَّجاةَ هِيَ الأمرُ والنَّهيُ، إذ قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((ما مِنْ رجلٍ يكونُ في قومٍ يُعملُ فيهم بالمعاصي، يقدِرونَ على أنْ يُغَيِّروا عليهِ، ولا يُغَيِّرونَ؛ إلاّ أصابَهُم الله منهُ بِعِقابٍ ‌قَبْلَ ‌أنْ ‌يَمُوتوا)). وتقدَّمَ فِي حديثِ النُّعمانِ بنِ بشيرٍ: ((فإنْ تَركوهُم وَمَا أرادُوا هَلكُوا جميعاً، وإنْ أخذوا عَلى أيدِيهم نَجَوا جميعاً)). فالهلاكُ حقيقةً هُوَ السُّكوتُ والمداهَنَةُ، والنَّجاةُ فِي الدنيا والآخرةِ هِيَ الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عَنِ المنكرِ)). (تنبيه الغافلين 71) واللهُ سُبْحَانَهُ وتعالى قَالَ عَنِ اليَهُودِ التَّاركينَ لإنكارِ المنكرِ مَعَ علمِهم بِهِ: )لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ ‌لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨ كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٧٩ تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ٨٠ وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨١) [المائدة: 78-81] قَالَ الطاهرُ بنُ عاشور رَحِمَهُ اللهُ: ((وَأَطْلَقَ عَلَى تَرْكِ التَّنَاهِي لَفْظَ الْفِعْلِ فِي قَوْلِهِ: ( لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ( مَعَ أَنَّهُ تَرْكٌ، لِأَنَّ السُّكُوتَ عَلَى الْمُنْكَرِ لَا يَخْلُو مِنْ إِظْهَارِ الرِّضَا بِهِ وَالْمُشَارَكَةِ فِيهِ)). (التحرير والتنوير 6/ 294) وقالَ أبو زُهرة رحمه الله: ((وفي هَذَا النَّصِ إشارةٌ إِلَى أنَّ سببَ فسادِ الأممِ فِي عمومِها هُوَ ‌السُّكُوتُ ‌عَلَى ‌المنكرِ فيها، والمنكرُ هُوَ الأمرُ القبيحُ فِي ذاتهِ ويَنهَى الشَّارعُ عَنْهُ)). (زهرة التفاسير 5/2319) فَمِنَ القبيحِ أختي المسلمةَ أنْ نتركَ إنكارَ المنكرِ، بحُجَّة: (كُلٌّ لَهُ دِينُهُ) أَوْ بحُجَّةِ (كُلُّ إِنْسَانٍ مسؤولٌ عَنْ نفسهِ)، فَهَذَا مِنْ تلبيسِ إبليسَ عَلَى النَّاس. فلا تَترُكِي إنكارَ المنكرِ، فتكوني سببًا لهلاكِ المجتمعِ، ثمَّ تَهلكينَ مَعَهُ. نُكْمِلُ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ والحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين