أمنا عائشة | الحلقة (24) | يا عائشة، ومن أين يكون الشبه؟

24- يا عَائِشَة، وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟ مدحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الحياءَ، فقالَ: ((‌الْحَيَاءُ ‌خَيْرٌ كُلُّهُ)). (رواه مسلم)، وقالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الحَيَاءُ ‌لاَ ‌يَأْتِي ‌إِلاَّ ‌بِخَيْرٍ)). (رواه البخاري). ولما مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ يَعتِبُ عَلَى أخيهِ فِي كثرةِ حيائِهِ، قَالَ لَهُ: ((دَعْهُ فَإِنَّ ‌الحَيَاءَ ‌مِنَ ‌الإِيمَانِ)). (رواه البخاري). فإذا كانَ هَذَا وصفُ الحياءِ، فلا يُمكِنُ أنْ يُؤَدِّيَ إِلَى ذهابِ الحقوقِ، أَوْ انتشارِ الجهلِ بَيْنَ النَّاسِ، خاصَّةً وأنَّ الحياءَ شُعبةٌ مِنْ شُعَبِ الإيمانِ. لكنَّ الَّذِي يَقعُ فِيهِ بعضُ النَّاسِ هُوَ الخَلطُ بَيْنَ الحياءِ وبَيْنَ بعضِ الأوصافِ السَّيِّئةِ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى ضياعِ الحقوقِ، والسُّكوتِ عَلَى الظُّلمِ، كالخوفِ والجُبنِ والخَوَرِ، فيُسمُّونَها حياءً! قَالَ النووي رحمه الله: ((وَأَمَّا كَوْنُ الْحَيَاءِ خَيْرًا كُلَّهُ وَلَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ، فَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ صَاحِبَ الْحَيَاءِ قَدْ يستحى أَنْ يُوَاجِهَ بِالْحَقِّ مَنْ يُجِلُّهُ، فَيَتْرُكُ أَمْرَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيَهُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَدْ يَحْمِلُهُ الْحَيَاءُ عَلَى الْإِخْلَالِ بِبَعْضِ الْحُقُوقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْعَادَةِ، وَجَوَابُ هَذَا مَا أَجَابَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمُ الشَّيْخُ أبو عمرو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَنَّ هَذَا الْمَانِعُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ‌لَيْسَ ‌بِحَيَاءٍ ‌حَقِيقَةً، بَلْ هُوَ عَجْزٌ وَخَوَرٌ وَمَهَانَةٌ، وَإِنَّمَا تَسْمِيَتُهُ حَيَاءً مِنْ إِطْلَاقِ بَعْضِ أَهْلِ الْعُرْفِ، أَطْلَقُوهُ مَجَازًا لِمُشَابَهَتِهِ الحياء الْحَقِيقِيَّ، وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الْحَيَاءِ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ وَنَحْوِ هَذَا)). (شرح النووي على مسلم 2/5) قَالَ أَبو قَتَادَةَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي رَهْطٍ، وَفِينَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ، فَحَدَّثَنَا عِمْرَانُ، يَوْمَئِذٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ))، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ - أَوِ الْحِكْمَةِ - أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَارًا لِلَّهِ، وَمِنْهُ ضَعْفٌ، قَالَ: فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتَّى احْمَرَّتَا عَيْنَاهُ، وَقَالَ: أَلَا أَرَى أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُعَارِضُ فِيهِ، قَالَ: فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ، قَالَ: فَأَعَادَ بُشَيْرٌ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ، قَالَ: فَمَا زِلْنَا نَقُولُ فِيهِ إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ، إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.(رواه مسلم) لقدْ غضبَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ عَلَى بُشَيْرٍ لمُعارضتِهِ حديثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا وجدهُ فِي ثقافاتِ الأُمَمِ الأُخرَى. والواجبُ عَلَى المؤمِنِ أنْ يُسلِّمَ لكلامِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّسليمَ المُطلَقِ ولا يُقدِّمَ عليه قولَ أحدٍ ولا يعارضَه بشيءٍ. والحياءُ صفةٌ فِطرِيَّةٌ فِي المَرْأَةِ، تنشأُ معها مِنَ الصِّغَرِ، إلاَّ أنَّها قابلةٌ للتَّحويرِ والتَّبديلِ، بحسبِ التَّرْبِيَّةِ الَّتِي تَنشأُ عليها فِي مَحضنِها الأَوَّلِ، أَوْ مَا يَعترِيهَا مِنْ أثرِ الاختلاطِ بالرِّجَالِ فِي ميادينِ الحياةِ. فالحياءُ يزيدُ وينقصُ عِنْدَ الرَّجُلِ والمرأةِ. والسَّعيدُ مِنْهُمَا مَنِ ازدادَ حياءً، وازدادَ إيمانًا. وفِي قصَّةٍ جَمِيلَةٍ وقعتْ بحضرةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، استثمرَها النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْلِيْمِ وتَربِيَّةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، مَعَ إجابةِ سؤالِ المَرْأَةِ الأنصاريَّةِ. فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ الْأَنْصَارِيَّةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ إِذَا رَأَتْ فِي النَّوْمِ مَا يَرَى الرَّجُلُ أَتَغْتَسِلُ أَمْ لَا؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((نَعَمْ، فَلْتَغْتَسِلْ إِذَا وَجَدَتِ الْمَاءَ)). قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهَا، فَقُلْتُ: أُفٍّ لَكِ، وَهَلْ تَرَى ذَلِكَ الْمَرْأَةُ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ((تَرِبَتْ يَمِينُكِ ‌يَا ‌عَائِشَةُ، وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟)). (رواه مسلم) وفِي هَذِهِ القِصَّةِ عدَّةُ فوائدَ تَربَوِيَّةٍ: مِنْهَا: فِطنةُ وذكاءُ أمِّ سُليمٍ، إذ قدَّمَتْ لسؤالِها بمقدِّمةٍ تشفعُ لَهَا عمَّا تُريدُ ذِكرَهُ مِمَّا تَستَحي المرأةُ مِنْ ذكرهِ أمامَ الرِّجَالِ، فقالتْ: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ). قَالَ النووي رحمه الله: ((قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ بَيَانِ الْحَقِّ وَضَرْبِ الْمَثَلِ بِالْبَعُوضَةِ وَشِبْهِهَا كَمَا قَالَ سبحانه وتعالى )إِنَّ ٱللَّهَ ‌لَا ‌يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا([البقرة: 26]، فَكَذَا أَنَا لَا أَمْتَنِعُ مِنْ سُؤَالِي عَمَّا أَنَا مُحْتَاجَةٌ إِلَيْهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْحَيَاءِ فِي الْحَقِّ، وَلَا يُبِيحُهُ. وَإِنَّمَا قَالَتْ هَذَا اعْتِذَارًا بَيْنَ يَدَيْ سُؤَالِهَا عمَّا دعتِ الحاجَةُ إليهِ مِمَّا تستحي النِّسَاءُ فِي الْعَادَةِ مِنَ السُّؤَالِ عَنْهُ وَذِكْرِهُ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ)). (شرح النووي على مسلم 3/224) ومنها: حِرصُ الصَّحابياتِ عَلَى التَّفقُّهِ فِي الدِّينِ. قَالَ ابنُ عبدالبَّر رحمه الله: ((وفي هَذَا الحديثِ بَيانُ ما كانَ عليهِ نِساءُ ذلكَ الزَّمانِ مِنَ الاهتبالِ بأمْرِ دينِهنَّ، والسُّؤالِ عنهُ، وهذا يَلْزَمُ كلَّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ إذا جهِل شيئًا مِنْ دينِه أنْ يَسألَ عنهُ)). (التمهيد 5/659) ومنها: أنَّ الحياءَ لا يمنعُ مِنْ تَعلُّمِ العلمِ. قَالَ النووي رحمه الله: ((فَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَضَتْ لَهُ مَسْأَلَةٌ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا، وَلَا يَمْتَنِعَ مِنَ السُّؤَالِ حَيَاءً مِنْ ذِكْرِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَيَاءٍ حَقِيقِيٍّ، لِأَنَّ الْحَيَاءَ خَيْرٌ كُلُّهُ، وَالْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ، وَالْإِمْسَاكُ عَنِ السُّؤَالِ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَيْسَ بِخَيْرٍ، بَلْ هُوَ شَرٌّ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَيَاءً؟!)). (شرح النووي على مسلم 3/224) ومنها: جوازُ سؤالِ المَرْأَةِ للعالمِ العَفيفِ عَنْ أُمورِ دِينِها، ولو كانَ مِمَّا يُستَحَى مِنْ ذِكرِهِ فِي العادَةِ. ومنها: استخدامُ الألفاظِ الجميلةِ فِي التَّعبيرِ عَنِ المرادِ بغيرِ فُحْشٍ، كَمَا قَالَتْ أمُّ سُليمٍ: (أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ إِذَا رَأَتْ فِي النَّوْمِ مَا يَرَى الرَّجُلُ أَتَغْتَسِلُ أَمْ لَا؟) ومنها: أنَّ النِّسَاءَ شقائِقُ الرِّجَالِ فِي مسألةِ الاحتلامِ وما يترتَّبُ عليها. ومنها: الإنكارُ عَلَى المخطئِ وتصويبِ رأيهِ بالحجَّةِ والبرهانِ. فقد استنكرتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَلَى أمِّ سُليم سؤالَها، فأنكرَ عليها النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبَيَّنَ لَهَا الصوابَ فِي المسألةِ. ومنها: الاستدلالُ العقليُّ عَلَى المسائلِ الشَّرعِيَّةِ، فإنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ فِي بيانِ أنَّ المَرْأَةَ تحتلمُ وتَرَى الماءَ بقولهِ: ((وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟)). ومنها: أنَّ لمَرْأَةَ الَّتِي تسألُ عَنْ دِينِها وَلَوْ كانَ فِي المسائلِ الَّتِي يُستحى مِنْهَا، محمودةُ الفعلِ، ولا يَجوزُ أنْ تُعاتبَ أَوْ تُثبَّطَ، أَوْ يُذمَّ فِعلُها. فقدْ دافعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أمِّ سُليمٍ فِي سؤالِها عَنِ الاحتلامِ فِي المنامِ؛ وَهُوَ أنْ ترى المَرْأَةُ فِي منامِها ما يراهُ الرَّجُلُ مِنَ المُعاشَرَةِ التَّامَةِ بَينَها وبَيْنَ الرَّجُلِ. ولقدْ أثنَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَلَى نساءِ الأنصارِ فقَالَتْ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ. اللهمَّ فَقِّهنَا فِي دِينِكَ، وعلِّمنَا مَا يَنفَعُنَا، وانفعْنَا بِمَا علَّمتَنَا، وزدْنَا علمًا. نُكْمِلُ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ والحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين