أمنا عائشة | الحلقة (25) | يا عائشة، هذه بتلك
يا عَائِشَة هَذِهِ بتلك
أَمَرَ اللهُ عزَّ وجلَّ بمعاشرةِ الزَّوْجَةِ بالمعروفِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ) [النساء: 19] ، قَالَ السَّعديُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((وَهَذَا يشملُ المُعاشرةَ القوليَّةَ والفعليَّةَ، فعلى الزَّوْجِ أنْ يُعاشرَ زوجتَهُ بالمعروفِ، مِنَ الصُّحبَةِ الجَمِيلَةِ، وكفِّ الأذَى وبذلِ الإحسانِ، وحُسنِ المعاملةِ، ويَدخُلُ فِي ذلكَ النَّفقةُ والكِسوَةُ ونحوهمَا. فيجبُ عَلَى الزَّوْجِ لزوجَتِهِ المعروفُ مِنْ مثلِهِ لمثلِهَا فِي ذلكَ الزَّمانِ والمكانِ، وَهَذَا يتفاوتُ بتفاوتِ الأحوالِ)). (تفسير السعدي 172)
وخيرُ مَنْ طَبَّقَ هَذِهِ الآيةَ فِي حياتِهِ هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى قَالَ عَنْ نفسِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي)). (رواه ابن ماجه)، قَالَ الصَّنْعَانِيُ رَحِمَهُ اللهُ: ((فكانَ خيرَ النَّاسِ مُطلقًا، وليسَ هَذَا مِنْ بابِ الفخرِ، بلْ إعلامٌ للعبادِ بما كانَ عَلَيْهِ مِنْ حُسنِ العِشرَةِ ليقتَدوا بِهِ. وقدْ عُرِفَ مِنْ شمائِلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كانَ خيرَ النَّاسِ للنَّاسِ، ولأهلِهِ بالأوْلَى، فقدْ كانَ لأهْلِهِ عَلَى حالٍ لا يكونُ لغيرِهِ؛ مِنْ حُسنِ العِشرَةِ، واحتمالِ الأذَى، والإنصافِ، ونحو ذلك ممَّا فِي كتبِ فضائِلِهِ وسِيَرِهِ)).
وقَالَ السِّنديُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((فَمُرَادُهُ أَنَّ حُسْنَ الْعِشْرَةِ مَعَ الْأَهْلِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَشْيَاءِ الْمَطْلُوبَةِ فِي الدِّينِ، فَالْمُتَّصِفُ بِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْخِيَارِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُتَّصِفَ بِهِ يُوَفَّقُ لِسَائِرِ الصَّالِحَاتِ حَتَّى يَصِيرَ خَيْرًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ)). (حاشية السندي على سنن ابن ماجه 1/609)
ومِنَ القَصَصِ الجَمِيلَةِ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أزواجِهِ مِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ؛ مُسَابَقَتُهُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي السَّفَرِ. فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: سَابَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَبَقْتُهُ، فَلَمَّا حَمَلْتُ مِنَ اللَّحْمِ سَابَقَنِي فَسَبَقَنِي فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ هَذِهِ بِتِلْكَ)). (رواه الحميدي)
ولمْ تَكُنْ المُسابَقَةُ مُجرَّدَةً مِنَ المُزاحِ واللَّهوِ، بلْ تَوَّجَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمُزاحِ والضَّحكِ مَعَهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، تقولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةٌ لَمْ أَحْمِلِ اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: ((تَقَدَّمُوا)) فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ لِي: ((تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ)) فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ، فَسَكَتَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ، خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: ((تَقَدَّمُوا)) فَتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ: ((تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ)) فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقَنِي، فَجَعَلَ يَضْحَكُ، وَهُوَ يَقُولُ: ((هَذِهِ بِتِلْكَ)). (رواه أحمد)، وفِي روايةٍ عندَ الطَّبرانِي، قالتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، فَضَرَبَ بَيْنَ كَتِفَيَّ، وَقَالَ: ((هَذِهِ بِتِلْكَ)).
بلْ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ألحَّ عَليها بالمُسابَقةِ فِي المرَّةِ الثَّانيةِ، لأنَّها اعتذرتْ بسببِ حَملِها للَّحمِ، فأصرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى المُسابَقَةِ، فقد أخبرتْ عَائِشَةُ، أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: ((تَقَدَّمُوا))، فَتَقَدَّمُوا، فَقَالَ لِي: ((تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ))، فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ، خَرَجْتُ مَعَهُ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: ((تَقَدَّمُوا))، فَتَقَدَّمُوا، فَقَالَ: ((تَعَالَيْ أُسَابِقَكِ))، وَنَسِيتُ الَّذِي كَانَ وَقَدْ حَمَلْتُ اللَّحْمَ، فَقُلْتُ: وَكَيْفَ أُسَابِقُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ؟ قَالَ: ((لَتَفْعَلِنَّ))، فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي وَقَالَ: ((هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ)). (رواه أبو نعيم)
فكانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَدَّدُ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا بهذهِ المُسابَقَةِ. قَالَ ابنُ كثيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: ((وَكَانَ مِنْ أَخْلَاقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جَمِيلُ الْعِشْرَةِ دَائِمُ الْبِشْرِ، يُدَاعِبُ أَهْلَهُ، وَيَتَلَطَّفُ بِهِمْ ويُوسِعُهُمْ نَفَقَتَهُ، وَيُضَاحِكُ نِسَاءَهُ حَتَّى إِنَّهُ كانَ يُسابقُ عائشةَ أمَّ المؤمنينَ رضي الله عنها، يَتَوَدَّدُ إِلَيْهَا بِذَلِكَ)). (تفسير ابن كثير 2/212)
فهذهِ سيرَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شاهدةٌ عَلَى حُسنِ معاشرتِهِ لأهلِهِ بالمعروفِ، حَتَّى كانَ خيرَ النَّاسِ لأهلِهِ.
لكنَّنَا ابتُلِينَا بنوعٍ مِنَ الأفكارِ الَّتِي تعتبِرُ اللَّعِبَ مَعَ الزَّوْجَةِ مِنْ خَوَارَمِ المُروءَةِ، وتُصَوِّرُ الرُّجُولَةَ تَجهُمًا فِي وَجْهِ الزَّوْجَةِ، وتَبسُّمًا فِي وَجْهِ الأصحابِ، حَتَّى ظنَّ بعضُ النَّاسِ أنَّ هَذَا الَّذِي يأمرُ بِهِ الإسلامُ!
ولمْ تَنجَحْ هَذِهِ الطَّريقةُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ المَرْأَةِ عُمومًا، والزَّوْجَةِ خُصوصًا، لمُخالَفتِهَا للفطرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللهُ النَّاسَ عليها، فكانتْ ردَّةُ الفعلِ مِنْ كثيرٍ مِنْ نساءِ هَذَا الزمان مِمَّنِ ابتُلينَ بهذا النوعِ مِنَ الرجالِ التسخُّطَ عَلَى الإسلامِ وأهلِهِ، ووصفَهُ بكُلِّ قَبيحٍ، ومدحَ ثقافةِ الغَربِ واعتبارَها النَّموذجَ الَّذِي ينْبَغي أنْ يُحتذَى بِهِ فِي تقديرِ المَرْأَةِ واحترامِ مشاعرِها.
قَالَ الأستاذُ مُحَمَّد رشيد رضا رَحِمَهُ اللهُ: ((ومِنَ المودَّةِ بَيْنَ الزَّوْجَينِ: المُمَازحةُ والمُلاعَبَةُ، ومِنَ الرِّجَالِ مَنْ يَرى أنَّ مُفاكهَةَ المَرْأَةِ ومُداعبَتَهَا ممَّا يُذْهِبُ بِمهابَتِها إيَّاهُ، واحتشامِها لَهُ، ويَنسَى أنَّ تركَ ذلكَ يُذْهِبُ بأُنْسِها بِهِ، وسُكونِها إليهِ، وحُبِّها إيَّاُه، وإنَّ الحبَّ ليُغنِي عَنِ المَهَابَةِ والاحتشامِ، إنْ صحَّ أنَّ المُمَازحةَ، والمُلاعَبَةَ، والمُفاكهَةَ، والمُداعبةَ لا تتَّفِقُ معهُمَا، وما ذلكَ بصحيحٍ؛ فإنَّ أعظمَ الرِّجَالِ قَدْرًا مِنَ الأنبياءِ، والحُكماءِ، والملوكِ المهذَّبينَ كانوا يُرضُونَ نساءَهم فِي البيوتِ، ولا يُتخوَّنُ ذلكَ مِنْ مهابتِهم وإجلالِهم شيئًا.
كانَ الرسولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُمازحُ نساءَهُ ويُداعِبُهُنَّ، وقال: لجابرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حينَ استأذَنَهُ فِي نكاحِ الثَّيبِ: (هلاّ بكرًا تُلاعِبُها وتُلاعِبُك) والحديثُ في الصحيحينِ، وكذلكَ كانَ يفعلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى رووا: (أنَّهُ كانَ يُسابقُ عَائِشَةً فِي العَدْوِ - الجَري الشَّدِيد- سابَقَها فسَبِقَتْهُ، ثمَّ سابَقَها فسبَقَها، فقال: ((هَذِهِ بِتِلْكَ)). والحديثُ عندَ أبِي داودَ والنَّسائِي وابنِ ماجه وسندُهُ صحيحٌ. ويُؤْثَرُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كانَ يقولُ: (كلُّ امرئٍ فِي بيتهِ صَبيٌ) وفِي الإحياء: وقالَ عُمرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ خشونتِهِ: (يَنبغِي للرَّجُلِ أنْ يكونَ فِي أهلِهِ مثلَ الصَّبي، فإذا التمسوا مَا عندَهُ وجدوهُ رجُلاً).
وللدُّعابةِ فِي البيتِ حدٌّ مَنْ تَجاوزَهُ ذهبتْ حِشمَتُهُ، ومَنْ قَصَّرَ فِيهِ ثَقُلتْ عَشرَتُهُ. واستثقالُ المَرْأَةِ للرَّجُلِ مَدرَجَةُ البَلاءِ، ومَدعاةُ الشَّقاءِ)). (مجلة المنار 8/573)
فهلْ أنتَ مِمَنْ يُمازِحُ زوجَهُ، ويَلعَبُ مَعَها؟
أرجو ذلكَ.
نُكْمِلُ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ
والحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين