أمنا عائشة | الحلقة (14) | يا عائشة، ما يبكيكِ؟
يا عَائِشَة، مايبكيك؟
إنَّ معاملةَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأزواجهِ أُمَّهاتِ المؤمنينَ هِيَ أرقَى معاملةٍ بَيْنَ الزَّوجِ وزوجهِ، وكُلُّ مَنْ يُريدُ أنْ يتعلَّمَ فَنَّ التَّعَامُلِ بَيْنَ الزَّوْجَينِ فعليهِ أنْ يدرسَ تَعاملَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ زوجاتِه، فَهَذَا هُوَ المثلُ الأعلى للزَّوْجَينِ.
ومِنْ صورِ التَّعَامُلِ الجميلةِ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وزوجِه عَائِشَةَ، ما مرَّت بِهِ وَهِيَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حجَّةِ الوَداعِ.
تقولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفٍ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: ((مَا يُبْكِيكِ يَا عَائِشَةُ؟))، قُلْتُ: حِضْتُ، لَيْتَنِي لَمْ أَكُنْ حَجَجْتُ، قَالَ: ((سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّمَا ذَاكَ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، انْسُكِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ))، قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلْنَا مَكَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، قَالَتْ: وَذَبَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةَ الْبَطْحَاءِ طَهُرَتْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَرْجِعُ صَوَاحِبِي بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ، فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَذَهَبَ بِي إِلَى التَّنْعِيمِ فَلَبَّيْتُ بِعُمْرَةٍ.
(رواه أحمد)
كانت أُمُّنا عَائِشَةُ رَضِي اللَّه عَنْهَا تستمعُ إِلَى خُطبةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابِهِ، وحثِّهِ لَهمْ عَلَى جَعْلِ نُسُكِهم عُمْرَةً، ولكنَّهَا فوجِئَتْ بنزولِ الحَيضِ عليها وَهِيَ بسَرِفٍ قُرب مكَّةَ، وَهَذَا يعني أنَّها لنْ تستطيعَ أنْ تعتمرَ، فالوقتُ المُتبقِّي ليومِ عَرَفَةَ قصيرٌ، والحَيضُ لَهُ زمنُهُ، فأدركت أُمُّنا عَائِشَةُ رَضِي اللَّه عَنْهَا أنَّها لنْ تستطيعَ أنْ تعتمرَ، وَهِيَ تسمعُ ترغيبَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأصحابِهِ بجعلِها عُمْرَةً، فَبَكَتْ. ودخلَ عليها النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ تبكي، فلَاطَفَها ليعرفَ سِرَّ بُكائِها، فَقَالَ: ((مَا يُبْكِيكِ يَا عَائِشَةُ؟)).
إنَّ بكاءَ عَائِشَةَ لمَّا حاضَتْ، إنَّما وقع منها لِمَا أصابَها مِنْ ضِيقٍ وحُزنٍ عَلَى فوات العُمْرَةِ، وَهَذَا السَّببُ قَدْ لا يُدركهُ الرِّجالُ بسرعةٍ، وقد لا يَهتَمُ لَهُ الرَّجلُ، لأنَّهُ يرى أنَّ الحَيضَ أمرٌ طبيعيٌ يحصلُ لكُلِّ امرأةٍ، وَهُوَ كذلك، ولكنْ قَدْ تكونُ المرأةُ فِي حالةٍ نفسيَّةٍ تتأثَّرُ بنزولِ الحَيضِ، كالَّتِي تَنتظرُ الحَملَ بعدَ زواجِها ويتأخَّرُ عليها، فتبكي عند نزولِ الحَيضِ. أَوْ لأيِّ سَببٍ آخر.
فجاءَ فعلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَائِشَةَ توجيهًا للأزواجِ إِلَى فَنِّ التَّعَامُل مَعَ المرأةِ فِي مثلِ هَذِهِ الحالِ.
ولمْ يكتفِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسؤالِها عَنْ سببِ بُكائِها، بَلْ هَوَّنَ عليها الأمرَ بأنْ بَيَّنَ لَهَا أنَّها ليستِ الوحيدةَ الَّتِي تبتلَى بهذا الحيض، بلْ كُلُّ بَناتِ آدمَ. فقالَ: ((إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَم)). قَالَ القرطبي: ((يعني: الحيض. وكتبهُ عليهنَّ؛ أيْ: جبلهُنَّ عَلَيْهِ، وثبَّتهُ عليهنَّ. وهو تأنيسٌ لَهَا وتسليةٌ، وهو دليلٌ عَلَى ميلهِ لَهَا، وحُنُوِّهِ عليها)). (المفهم 3/305)
وقال ابنُ رجبٍ رحمه الله: ((قضَى بِهِ عليهنَّ وألزمهنَّ إيَّاهُ، فهُنَّ مُتعبداتٍ بالصَّبر عَلَيْهِ)).
(فتح الباري لابن رجب 2/13)
فهدَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَوْعِهَا بأمرينِ، الأَوْلُ: أنَّ الحيضَ أمرٌ كتبهُ اللهُ عَلَى النِّساءِ عمومًا، والآخَرُ: أنَّها مِثلُهنَّ يَعترِيها مَا يعتريهنَّ.
وبعد أنْ هَدَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَوْعِ أُمِّنا عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا، انتقلَ إلى بُعدٍ آخرَ في التهدِئَةِ النَّفسيَّةِ لَهَا، فبَيَّنَ لَهَا أنَّ نُزُولَ الحيضِ عَلَى المرأةِ المُحْرِمَةِ لا يضُرُّها، ولا يؤثِّرُ فِي إحرامِها. ثمَّ أرشدَها النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَا تفعلُهُ فِي حالتِها هَذِهِ، فقالَ: ((انْسُكِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ)).
وعنونَ البُخاريُّ لهذا الحديثِ فِي صحيحهِ بقولهِ: تقضي الحائضُ المناسكَ كُلَّها إلاَّ الطَّوافَ بالبيتِ.
قَالَ ابنُ رجب رحمه الله: ((مَقصودُ البُخاريِّ بهذا الباب: أنَّ الحيضَ لَا يمنعُ شيئًا مِنْ مناسكِ الحجِّ غيرَ الطَّوافِ بالبيتِ، والصَّلاةِ عَقِيبَهُ، وأنَّ ما عَدا ذَلِكَ مِنَ المواقفِ، والذِّكرِ، والدُّعاءِ، لا يمنعُ الحيضُ شيئًا مِنْهُ، فتفعلُهُ الحائضُ كُلَّهُ، فدخلَ فِي ذَلِكَ الوقوفُ بعرفةَ، والمزدلفةِ، ورَمْيِ الجِمَارِ، وذكرُ اللهِ عزَّ وجلَّ، ودعاؤهُ فِي هَذهِ المواطنِ، وكُلُّ هَذا متَّفَقٌ عَلَى جوازِهِ)).
(فتح الباري لابن رجب 2/ 42)
وقالَ ابنُ المُلقِّن رحمه الله: ((فِي شهودِ الحائضِ المناسكَ كُلَّها، وتكبيرِها فِي العيدينِ، دليلٌ عَلَى جوازِ قراءتِها القرآنَ؛ لأنَّ مِنَ السُّنَّةِ ذكرُ اللهِ فِي المناسك)). (التوضيح لشرح الجامع الصحيح 5/ 57)
إنَّ المرأةَ فِي رمضانَ تكونُ قَلِقَةً بشأنِ مجيءِ الدَّورةِ الشَّهريَّةِ، وخاصَّةً فِي العشرِ الأواخرِ، لشدَّة رغبَتِها فِي العبادةِ، وقراءةِ القُرآنِ، واغتنامِ موسمِ الخيرِ، فقد تلجأُ إِلَى استخدامِ بعضِ الأدويةِ الَّتِي تُؤخِّرُ نزولَ الحَيضِ، والَّتِي لا تكادُ تَخلُو مِنْ ضَرَرٍ عَلَى صحَّتِها ونفسيَّتِها، وقدْ تتسبَّبُ هَذِهِ الأدويةُ فِي اختلالِ الحَيضِ عِنْدَ المرأةِ، فينزلُ عليها مِنَ الألوانِ ما يجعلُها فِي حَيْرةٍ مِنْ أمرِها، فلا تدرِي أهيَ حائضٌ أمْ طاهرٌ.
ولو أنَّ المرأةَ تذكَّرَت قولَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: ((ذَلِك شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي)). فترضَى بما كُتِبَ عليهَا مِنَ الحيضِ فِي الزَّمانِ الَّذِي قدَّرهُ اللهُ لَهَا، ثمَّ تفعلُ ما يفعلُهُ الصائمُ مِنَ البِرِّ والخيراتِ فِي هَذَا الشَّهرِ غيرَ أنَّهَا لا تصومُ ولا تُصلِّي، لكانَ خَيرًا لَهَا مِنْ هَذِهِ الأدويةِ الَّتِي قَدْ تضرُّها وَهِيَ لا تشعرُ.
ومِنْ تَطيِيبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لخاطرِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا نَفَرَ مِنْ مِنَىً بعدَ رَمْيِ الجَمراتِ نزلَ بالمحصَّبِ؛ وهو مكانٌ بَيْنَ مِنَىً والمسجدِ الحرامِ، وصلَّى فِيهِ الظُّهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ. فلمَّا كانَ المساءُ حاورَتْهُ عَائِشَةُ رَضِي اللَّه عَنْهَا فِي موضوعِ نُسُكِها فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَرْجِعُ صَوَاحِبِي بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ.
فحاولَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إقناعَها بأنَّها كُتبَتْ لَهَا فقالَ لَهَا: ((طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيكِ لِحَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ)).(رواه أبو داود). فَأَبَتْ، وقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْتَمَرْتُمْ وَلَمْ أَعْتَمِرْ. يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَرْجِعُ النَّاسُ بِأَجْرَيْنِ وَأَرْجِعُ بِأَجْرٍ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَرْجِعُ أَصْحَابُكَ بِأَجْرِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى الْحَجِّ؟ أَتَرْجِعُ نِسَاؤُكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ لَيْسَ مَعَهَا عُمْرَةٌ؟
قَالَ ابن تيمية رحمه الله: ((فَلَمَّا أَلَحَّتْ أَعْمَرَهَا تَطْيِيبًا لِنَفْسِهَا)). (مجموع الفتاوى 26/42)
وقال ابن القيم: ((فَوَجَدَتْ فِي نَفْسِهَا أَنْ يَرْجِعَ صَوَاحِبَاتُهَا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مُسْتَقِلَّيْنِ، فَإِنّهُنَّ كُنَّ مُتَمَتّعَاتٍ، وَلَمْ يَحِضْنَ، وَلَمْ يَقْرِنَّ، وَتَرْجِعُ هِيَ بِعُمْرَةٍ فِي ضِمْنِ حَجَّتِهَا، فَأَمَرَ أَخَاهَا أَنْ يُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا)).( زاد المعاد 2/86.)
فَهَذَا نموذجٌ مِنَ السِّيرةِ العطرةِ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُعبِّرُ عَنْ جمالِ تعاملِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا. وكُلُّ سيرتِه جميلةٌ.
نُكْمِلُ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ
والحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين