أمنا عائشة | الحلقة (16) | يا عائشة، مالكِ؟ أغرتِ؟

يا عَائِشَة مالك أغرت؟ الغَيْرَةُ صِفَةٌ جَمِيلَةٌ مِنْ صفاتِ المَرْأَةِ تَدلُّ عَلَى عُمقِ محبَّتِها لزوجِها. وعَرَّفَ الغَيْرَةَ الحُمَيْدِيُ رحمه الله بأنها: ((ضِيقُ الصَّدرِ بَيْنَ المَرْأَةِ وزوجِها فِيمَا يَقَع بقلبِهِ مِنْها، أَوْ بقلبِها مِنْهُ فِي أمرِ الزَّوجيَّةِ خاصَّة، مِنْ مَيلِهِ إِلَى غيرِها، أَوْ مَيلِها إِلَى غيرِهِ)). (تفسير غريب ما في الصحيحين 528) فَهِيَ ((مُشتقَّةٌ مِنْ تغيُّرِ القلبِ وهيجانِ الغضبِ بسببِ المشاركةِ فيما بِهِ الاختِصاصُ)). (فتح الباري 9/320) والغَيْرَةُ مَحمودَةٌ إذا استُخدِمَت بالطَّريقَةِ الصَّحِيحَةِ وِفْقَ الضَّوابطِ الشَّرعيَّةِ. وأمَّا إذا تجاوزتِ الحدودَ الشَّرعيَّةَ فَهِيَ مذمُومَةٌ، وتأثَمُ عليها المَرْأَةُ. قَالَ ابنُ حَجَر رحمه الله: ((وَأَصْل الْغَيْرَةِ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ لِلنِّسَاءِ، لَكِنْ إِذَا أَفْرَطَتْ فِي ذَلِكَ بِقَدْرٍ زَائِدٍ عَلَيْهِ تُلامُ)). (فتح الباري 9/326.) والغَيْرَةُ تُتَوقَّعُ مِنَ المَرْأَةِ الفاضلَةِ وغيرِها، فَخيرُ نِساءِ هَذِهِ الأُمَّةِ زوجاتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّهاتُ المؤمنينَ، وقدْ صدرتْ مِنْهُنَّ الغَيْرَةُ. وأكثرُ مَنْ صدرتْ مِنْها الغَيْرَةُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. وقد استثمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَةَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فِي تربيتِها عَلَى ضبطِ غَيْرَتِها بالضَّوابطِ الشَّرعيَّةِ، لتعلمَ ما يجوزُ لَهَا مِنَ الغَيْرَةِ، وما لا يجوزُ. ومِنْ هَذِهِ الحَوَادِثِ الجَمِيلَةِ ما وقع لَهَا ذاتَ ليلةٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا استيقظتْ مِنَ النَّومِ فِي اللَّيلِ فَلَمْ تجدْهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ مَعِيَ عَلَى فِرَاشِي، فَوَجَدْتُهُ سَاجِدًا رَاصًّا عَقِبَيْهِ، مُسْتَقْبِلًا بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ الْقِبْلَةَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفْوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنْكَ، أُثْنِيَ عَلَيْكَ، لا أَبْلُغُ كُلَّ مَا فِيكَ))؛ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ أَخَذَكِ شَيْطَانُكِ)). فَقَالَتْ: أَمَا لَكَ شَيْطَانٌ؟ قَالَ: ((مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلاَّ لَهُ شَيْطَانٌ)). فَقُلْتُ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((وَأَنَا، وَلَكِنِّي دَعَوْتُ اللَّهَ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ)). (رواه ابن خزيمة) وعنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلًا، قَالَتْ: فَغِرْتُ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَجَاءَ، فَرَأَى مَا أَصْنَعُ، فَقَالَ: ((مَا لَكِ ‌يَا ‌عَائِشَةُ، أَغِرْتِ؟))، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا لِي أَنْ لَا يَغَارَ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَفَأَخَذَكِ شَيْطَانُكِ؟))، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَ مَعِي شَيْطَانٌ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، قُلْتُ: وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، قُلْتُ: وَمَعَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، وَلَكِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ)). (رواه أحمد) هَذَا موقفٌ مِنْ مواقفِ الغَيْرَةِ الَّتِي مرَّت بِهَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وخلاصةُ هَذَا الموقفِ هِيَ: أنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا كانتْ نائِمَةً وكانتْ ليلَتِها، والمُفتَرضُ أنْ يكونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نائمًا بجانِبِها، لكنَّها لمَّا استيقظتْ مِنَ اللَّيلِ لم تَرهُ بجانِبِها، فبحثتْ عَنْهُ فِي ظلامِ اللَّيلِ الدَّامسِ، فتلَمَّستْ ما حولَها، فوقعتْ يَدُها عَلَيْهِ وَهُوَ يُصلِّي ويَدعو، فرجعتْ إِلَى فِراشِها، فلمَّا انتهى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صَلاتِهِ قَالَ لَهَا: ((مَا لَكِ ‌يَا ‌عَائِشَةُ، أَغِرْتِ؟))، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا لِي أَنْ لَا يَغَارَ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَفَأَخَذَكِ شَيْطَانُكِ؟))،. فعدَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَتَها فِي هَذَا الموطنِ مِنْ تحرِيضِ الشَّيْطَانِ. فما السَّبَبُ؟ السَّبَبُ فِي ذلكَ هُوَ: الظَّنُّ الَّذِي وقع فِي نفسِها، وَهُوَ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَركَها وذهبَ إِلَى زوجةٍ مِنْ زوجاتِهِ. وَهَذَا سوءُ ظَنٍّ بالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأَنَّهُ لنْ يعدِلَ مَعَها فِي ليلَتِها، وَهَذَا الظَّنُّ السَّيئُ لا يَرِدُ فِي النَّفسِ إلَّا مِنْ وسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ. قَالَ الطَّيبِي رحمه الله: ((وفي قوله: ((لقدْ جاءكِ ‌شيطانُك)) إشارةٌ إِلَى ما مَرَّ فِي حديثِ جابرِ ابنِ عَتيكٍ مِنْ قولِهِ: ((أمَّا الَّتِي يُبْغِضُها الله فالغَيْرَةُ فِي غيرِ ريبةٍ))، يعني كيفَ تغارينَ عليَّ؟ تَرَينَ أنِّي أحيفُ عليك؟ أيْ ليسَ هَذَا بموضعِ ريبةٍ)). (الكاشف عن حقائق السنن 7/2366) فالغَيْرَةُ الصَّادرةُ مِنَ المَرْأَةِ المبنيَّةُ عَلَى سُوءِ الظَّنِّ بالزَّوج مِنَ الغَيْرَةِ المذمُومةِ الَّتِي تُلامُ عليها المَرْأَةُ، وتُوقِعُها فِي الإثمِ، وتُفسِدُ عليها حياتَها مَعَ زوجِها. والغَيْرَةُ مِنَ الأخلاقِ الفطرِيَّةِ فِي كُلِّ النِّساءِ، إلَّا أنَّها قابِلةٌ للتَّعديلِ، وقابِلةٌ للتَّوجِيهِ، فيُمكنُ تخفيفُ شدَّتِها وضبطُها عندَ حَدٍّ مُعيَّنٍ؛ كَمَا وقعَ ذلكَ مِنْ أمِّ سَلَمَةَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَّا دعا لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يُذهبَ اللهُ غَيرَتَها. كَمَا جاءت توجيهاتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لنسائِهِ بالوقوفِ عندَ الحَدِّ الشَّرعيِّ فِي الغَيْرَةِ، لكُلِّ مَنْ خالفتِ الضَّوابطَ الشَّرعيَّةَ للغَيرَةِ. وضوابطُ الغَيْرَةِ الشَّرعيَّةِ ثلاثةٌ، وَهِيَ: الأوَّلُ: أنْ تكونَ فِي الرِّيبَةِ. الثاني: ألَّا ترتكبَ ما يَحرُمُ عليها مِنْ قولٍ أَوْ فعلٍ، وهذهِ نماذجُ مِنَ المُحرَّماتِ: 1) الغَيْرَةُ لا تُبيحُ الغِيبَةَ. 2) الغَيْرَةُ لَا تُبِيحُ إتلافَ متاعِ الآخرينَ. 3) الغَيْرَةُ لَا تُبِيحُ للمرأةِ أنْ تُطالِبَ زوجَها بما لا يحقُّ لَهَا. 4) الغَيْرَةُ لَا تُبِيحُ الظُّلمَ. 5) الغَيْرَةُ لَا تُبِيحُ تَعيِيرَ المَرْأَةِ لصاحِبتِها. 6) الغَيْرَةُ لَا تُبِيحُ التَّشبُّعَ مِنَ الزَّوجِ بما لمْ يُعطَ. 7) الغَيْرَةُ لَا تُبِيحُ سوءَ الظَّنِّ بالزَّوجِ. 8) الغَيْرَةُ لَا تُبِيحُ التجسُّسَ على الزَّوجِ. 9) الغَيْرَةُ لَا تُبِيحُ إيذاءَ الزَّوجِ. الثالث: ألَّا تُؤدِّي الغَيْرَةُ إِلَى فسادِ العملِ الصالحِ. هَذِهِ ضوابطُ الغَيْرَةِ، فمَنِ اختلَّ عندها ضابطٌ مِنْ هَذِهِ الضَّوابِطِ، فَهِيَ مُلامةٌ عَلَى غَيرَتَها. أمَّا الغَيْرَةُ الَّتِي تجعلُها تعملُ عَلَى كسبِ قلبِ الزَّوجِ، فهذهِ غَيرَةٌ محمودةٌ، تُؤجَرُ عليها المَرْأَةُ. نُكْمِلُ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ والحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين