أمنا عائشة | الحلقة (10) | يا عائشة من أعطاكِ عطاءً بغير مسألةٍ فاقبليه
يَا عَائِشَةُ، مَنْ أَعْطَاكِ عَطَاءً بِغَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَاقْبَلِيهِ
عَائِشَةُ أمُّ المؤمنينَ ثمرةٌ مِنْ ثمارِ تَرْبِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأهلِ بيتِه، فمَنْ أرادَ أنْ يُربِّيَ أهلَ بيتِه فلا يستغني عَنْ دراسةِ هَذَا النموذجِ الَّذِي تربَّى عَلَى يد النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وكان مِمَّا تربَّتْ عَلَيْهِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: الرجوعُ إلى الحقِّ خيرٌ مِنَ التَّمادي فِي الباطلِ.
وَهِيَ مسألةٌ يتغلَّبُ فيها الإيمانُ عَلَى هوى النَّفسِ.
ومِنَ الحوادثِ الَّتِي تجلَّتْ فيها هَذِهِ المسألةُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَامِرٍ بَعَثَ إِلَى عَائِشَةَ بِنَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ، فَقَالَتْ لِلرَّسُولِ: إِنِّي يَا بُنَيَّ، لَا أَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ: رُدُّوهُ عَلَيَّ، فَرَدُّوهُ، فَقَالَتْ: إِنِّي ذَكَرْتُ شَيْئًا قَالَهُ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، مَنْ أَعْطَاكِ عَطَاءً بِغَيْرِ مَسْأَلَةٍ، فَاقْبَلِيهِ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ عَرَضَهُ اللهُ لَكِ)). (رواه أحمد)
لا تحبُّ النُّفوسُ أنْ تظهرَ بمظهرِ المخطئ، بلْ تحبُّ أنْ تظهرَ بمظهرِ مَنْ رأيُه صوابٌ دائمًا. وهذه آفةٌ فِي النَّفسِ مبنيَّةٌ عَلَى الهوى. فالنَّفسُ تعرفُ أنَّها عَلَى الباطلِ، ولكنَّه الجحودُ الَّذِي يسيطرُ عليها فترفضُ الرجوعَ إلى الحقِّ، وتُصِرُّ عَلَى الباطلِ، قَالَ تعالى: (وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ) [النمل: 14]
إنَّ الإيمانَ وحدَه هُوَ الَّذِي يُصلحُ هَذِهِ النُّفوسَ، ويجعلُها تستسلمُ للحقِّ إذا ظهرَ لَهَا. أمَّا أصحابُ القلوبِ المريضةِ وأهلِ النِّفاقِ فإنَّهم لا يقبلونَ الحقَّ إلَّا إذا كان فِي صالحِهم، قَالَ تعالى عَنِ الفريقينِ: (وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧ وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ ٤٨ وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ ٤٩ أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٥٠ إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥١ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ) [النور: 47-52]
ونحسبُ أنَّ عَائِشَةَ مِنَ الفريقِ الثاني الَّذِي إذا ظهرَ لَهَا الحقُّ تراجعتْ عَنْ رأيِها والتزمتْ الحقَّ، وما هَذِهِ القِصَّةُ إلَّا نموذجٌ مِنْ هَذِهِ المواقف الدالَّةِ عَلَى هَذَا الخُلُقِ الَّذِي ربَّاها عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
إنَّ توجيهَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ بقولِه: ((يَا عَائِشَةُ، مَنْ أَعْطَاكِ عَطَاءً بِغَيْرِ مَسْأَلَةٍ، فَاقْبَلِيهِ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ عَرَضَهُ اللهُ لَكِ)). يشملُ التربيَّةَ عَلَى عدةِ جوانبَ:
الأول: حُرمةُ المسألةِ، وَهِيَ أن يطلبَ الإِنْسَانُ المالَ أَوْ الصَّدقةَ مِنَ الآخرينَ، وَهُوَ غيرُ مُستحِقٍّ لَهَا.
وآفةُ هَذِهِ المسألةِ أنَّ صاحبَها ينظرُ إلى ما فِي أيدي النَّاسِ ويَركنُ إليه، ويَغفُلُ عمَّنْ بيدِه خزائنُ السماواتِ والأرضِ، فلا يرجعُ إليه ويطلبُ منه الرِّزقَ. وَهَذَا الصِّنفُ مِنَ النَّاسِ يسهلُ شراءَ ذِمَّتِهِ مِنْ قِبْلِ الظَّلمةِ، فهو عبدٌ للمالِ. وَهُوَ سريعُ التقلُّبِ فِي المواقفِ والآراءِ بحسبِ ما يصلُ إليه مِنَ المالِ، ومَنْ يَدفعُ له أكثرَ يميلُ إليه أكثرَ. فهذه نفسٌ ذليلةٌ لا تنفعُ فِي رِفعةِ الأمَّةِ ونُصْرةِ قضاياها. نعوذُ بالله مِنْ هَذَا الصِّنفِ.
الثاني: أنَّ العَطيةَ إذا جاءتْ مِنْ غيرِ طلبٍ، ولا إشرافِ نَفْسٍ، لا تُردُّ. ولو كانَ الإِنْسَانُ غنيًّا.
وقد ربَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحَابَةَ عَلَى ذلك، وربَّى الصَّحَابَةُ مَنْ بَعدَهُم عَلَى ذلك.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّعْدِيِّ، أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فِي خِلَافَتِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَلَمْ أُحَدَّثْ أَنَّكَ تَلِيَ مِنْ أَعْمَالِ النَّاسِ أَعْمَالًا، فَإِذَا أُعْطِيتَ العُمَالَةَ كَرِهْتَهَا، فَقُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ عُمَرُ: فَمَا تُرِيدُ إِلَى ذَلِكَ، قُلْتُ: إِنَّ لِي أَفْرَاسًا وَأَعْبُدًا وَأَنَا بِخَيْرٍ، وَأُرِيدُ أَنْ تَكُونَ عُمَالَتِي صَدَقَةً عَلَى المُسْلِمِينَ، قَالَ عُمَرُ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الَّذِي أَرَدْتَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِينِي العَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالًا، فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((خُذْهُ، فَتَمَوَّلْهُ، وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَإِلاَّ فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ)). (رواه البخاري)
إن هَذِهِ القِصَّةَ وغيرَها تَدلُّنا عَلَى مدى اهتمامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بتزكيَّةِ نفوسِ الصَّحَابَةِ، فالنَّفسُ العزيزةُ لا تنظرُ إلى ما فِي أيدي النَّاسِ، ولا تتعبُ نفسَها بالتطلُّعِ إلى أموالِهم، لأنَّها غنيَّةٌ بالله، ومَنْ كانَ كذلكَ باركَ الله لَهُ فيما يملكُ، وزادَه مِنْ فَضلِه.
الثالث: أنَّ الله عزَّ وجلَّ يرزقُ مَنْ يشاءُ، وليس لوصولِ رزقِه إلى العبدِ صورةٌ معينةٌ لا يتعدَّاها، وإنَّما كَما ذكرَ الله سُبْحَانَهُ وتعالى: (وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢ وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ) [الطلاق: 2-3]
والعطيَّةُ مِنْ غيرِ طلبٍ هِيَ مِنْ رِزقِ الله للعبدِ، ولا يليقُ بالعبدِ أنْ يردَّ رزقَ الله لَهُ.
نسألُ اللهَ أنْ يرزقَنا مِنْ واسعِ فضلِه، وأنْ يملأَ صدورَنا غِنىً، وأنْ يجعلَنا مِمَّنْ يستمعونَ القولَ فيتَّبِعونَ أحسنَه.
نُكْمِلُ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ
والحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين