أمنا عائشة | الحلقة (18) | يا عائشة، احذروهم

يا عَائِشَة، احذروهم يتحدَّثُ العَالَمُ اليومَ عَنْ حمايةِ المَرْأَةِ مِنَ الرَّجُلِ، ويَزعمونَ أَنَّهُ المُتسلِّطُ عَلَى حُرِّيَّةِ المَرْأَةِ. فأصْدرُوا القوانِينَ والاتِّفاقيَّاتِ الدَّوْلِيَّةَ الَّتِي تُقصِي دَوْرَ الرَّجُلِ مِنْ حياةِ المَرْأَةِ، وألزموا الدُّولَ بالتَّوقيعِ عليها، بحجَّة أنَّها تَحمِي المَرْأَةَ مِنْ تَسلُّطِ الرَّجُلِ، وتُقدِّمُ لَهَا حُقوقَها المَسلُوبَةَ. واستجابَ لمِثْلِ هَذِهِ الدَّعوَاتِ فِي بلادِ المُسلِمِينَ مَنْ فِي قُلوبِهم مَرَضٌ؛ الجاهلونَ بعظمةِ هَذَا الدِّينِ الإسلامي. وسانَدهُم فِي ذلكَ بعضُ المَفتُونِينَ مِمَّنْ ينتسبونَ إِلَى العِلمِ الشَّرعي، فأوَّلُوا النُّصوصَ لتوافقَ مُرادَ أعداءِ الإِسْلَامِ، ولبَّسُوا عَلَى النَّاسِ دينَهم. وهُنا تأتِي الحِمايَةُ الحقيقيَّةُ للمرأةِ مِنْ مِثلِ هَذِهِ الأفكارِ، ومِنْ مِثلِ هؤلاءِ المفتُونينَ، فيُحذَّرُ مِنْهم، ويُرَدُّ عليِهم، وتكشفُ مخطَّطاتُهم للمرأةِ حَتَّى لا تقعَ فِي شِرَاكِهم. وَهَذَا التَّحذيرُ مِنْ مِثلِ هؤلاءِ النَّاسِ، قَدْ أسَّس لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تربيتِهِ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، ولعمومِ المُسلِمِينَ. تقولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ (هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ ‌مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ) [آل عمران: 7] ، فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ، فَهُمُ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللَّهُ، فَاحْذَرُوهُمْ)). (رواه البخاري) قَالَ السندي رَحِمَهُ اللهُ: ((نَادَى عَائِشَةَ لِحُضُورِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَعَدَلَ فِي ضَمِيرِ الْخِطَابِ إِلَى الْجَمْعِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ هَذَا لَا يَخْتَصُّ بِعَائِشَةَ بَلْ يَعُمُّهَا وَغَيْرَهَا)). (حاشية السندي على سنن ابن ماجه 1/24) فهذا تَوجيهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمومِ الأُمَّةِ بأخذِ الحذرِ مِنَ الَّذِينَ يُجادلونَ فِي آياتِ اللهِ. وهُم الَّذِينَ يُجادلونَ ((فِي الْقُرْآنِ بِدَفْعِ الْمُحْكَمَاتِ بِالْمُتَشَابِهَاتِ)) والمرادُ بالجِدالِ: ((الْخِصَامُ بِالْبَاطِلِ وَضَرْبُ الْحَقِّ بِهِ، وَضَرْبُ الْحَقِّ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، بِإِبْدَاءِ التَّعَارُضِ وَالتَّدَافُعِ)). (حاشية السندي على سنن ابن ماجه 1/24) وقَالَ السَّعدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ((القرآنُ العظيمُ كُلُّهُ مُحكمٌ، كما قالَ تَعَالَى: (كِتَٰبٌ ‌أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ([هود: 1] فَهُوَ مُشتملٌ عَلَى غايَةِ الإِتْقانِ والإحكامِ والعدلِ والإحسانِ، )‌وَمَنۡ ‌أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ) [المائدة: 50] ، وكُلُّهُ مُتشابِهٌ فِي الحُسنِ والبلاغةِ، وتَصدِيقِ بعْضِهِ لبعضِهِ ومُطابقتِهِ لفظًا ومعنىً. وأمَّا الإحْكَامُ والتَّشابُهُ المذكورُ فِي هَذِهِ الآيةِ، فإنَّ القرآنَ كما ذَكرَهُ اللهُ: ( مِنۡهُ ءَايَٰتٞ ‌مُّحۡكَمَٰتٌ ) أي: واضحاتُ الدَّلالَةِ، ليسَ فيهَا شُبْهةٌ ولا إِشْكَالٌ، ( هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ) أي: أَصْلُهُ الَّذِي يُرجعُ إليهِ كُلُّ مُتشابِهِ، وهيَ مُعظَمُهُ وأكْثَرُهُ، ومنهُ آياتٌ (أُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ) أيْ: يَلتَبِسُ معْنَاها عَلَى كثيرٍ مِنَ الأذهانِ، لكَوْنِ دَلالَتِها مُجمَلَةً، أَوْ يَتبادَرُ إِلَى بعضِ الأفْهَامِ غَيرُ المرادِ مِنْهَا. فالحاصلُ أنَّ مِنْها آياتٍ بَيِّنةً واضِحةً لكُلِّ أحدٍ، وهيَ الأكثرُ الَّتِي يُرجعُ إليها، ومِنْهُ آياتٌ تُشْكِلُ عَلَى بعضِ النَّاسِ، فالواجبُ فِي هَذَا أنْ يُردَّ المُتشابِهُ إِلَى المُحكَمِ، والخَفيُّ إِلَى الجَليِّ، فبهذهِ الطَّريقِ يُصَدِّقُ بَعضُهُ بَعضًا ولا يَحصُلُ فِيهِ مُناقَضَةٌ ولا مُعارَضَةٌ. ولكنَّ النَّاسَ انقسمُوا إِلَى فِرْقتَيْنِ ( فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ ) أيْ: مَيلٌ عَنِ الاستقامَةِ بأنْ فَسدتْ مَقاصِدُهمْ، وصارَ قَصدُهُمُ الغَيَّ والضَّلالَ، وانحرفتْ قُلُوبُهمُ عَنْ طريقِ الهُدَى والرَّشادِ ( فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ) أيْ: يَترُكونَ المُحكَمَ الواضِحَ ويذهبونَ إِلَى المُتَشابِهِ، ويَعكِسونَ الأمرَ فيحمِلونَ المُحكمَ عَلَى المتشابِهِ ( ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ) لِمَنْ يدعونَهمْ لقولِهِم، فإنَّ المتشابِهَ تحصُلُ بِهِ الفِتنَةُ بسببِ الاشتباهِ الواقعِ فِيهِ، وإلَّا فالمُحكمُ الصَّريحُ ليسَ محلًّا للفتنَةِ، لِوضُوحِ الحَقِّ فِيهِ لِمَنْ قَصْدُهُ اتِّبَاعُهُ)). (تفسير السعدي ص122) وهؤلاء الَّذِينَ عناهُم اللُه فِي هَذِهِ الآيةِ كُثُرٌ اليومَ. يبثُّونَ سُمومَهمُ عَبرَ القنواتِ الإعلاميَّةِ ووسائلِ التَّواصلِ الاجتماعِي، ويزعُمُونَ أنَّهُم يبحثونَ عَنِ الحقيقةِ، أَوْ يَزعُمونَ أنَّهُم جاؤُوا بتفسيرٍ جديدٍ للقرآنِ الكريمِ، أَوْ للنصوصِ الشَّرعيَّةِ، يوافقُ مُتطلَّباتِ العصرِ، وروحَ الشَّريعةِ. ويغلبُ عَلَى طرحِهمُ التَّشكيكُ فِي الثَّوابتِ الشَّرعيَّةِ، وأصولِ الإِسْلَام. ولذلك نجدُ حَربَهمُ ظاهرةً فِي تأويلِ القرآنِ عَلَى غيرِ مُرادِهِ، وفِي الطَّعنِ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ، كصحيحِ البُخارِي وغيره. وأكثرُ مَنْ يَتأثَّرُ بِهمُ النِّساءُ، لكثرةِ طَرقِهم لقضايا المَرْأَةِ، والَّتِي يُدخِلُونَ فِيها الشُّبَهَ مِنْ خلالِ دَغْدَغَةِ مَشاعرِ المَرْأَةِ، والزَّعمِ بأنَّهم يُدافِعونَ عَنْ حُقوقِ المَرْأَةِ، فَيَنْقُضون ثوابتَ الإِسْلَامِ مِنْ قُلُوبِ النِّساءِ بهذه الشُّبهاتِ الَّتِي يَطرحونَها حولَ القَضايا الَّتِي تُؤَرِّقُ المَرْأَةَ، مثلِ تعدُّدِ الزَّوجاتِ، واللِّباسِ الشَّرعِي، والتَّعَامُلِ مَعَ الرِّجالِ، والاختلاطِ بهم، وظُلمِ المجتمعِ للمرأةِ، وغيرها مِنَ القضايا. والنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حذَّرَ عَائِشَةَ مِنْ هَذِهِ الفِئَةِ، وَهُوَ تحذيرٌ لكُلِّ امرأةٍ تريدُ المحافظةَ عَلَى دينِها وعقيدَتِها، وتحفظُ قَلْبَها مِنَ الشُّبهاتِ، فقال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَاحْذَرُوهُمْ)). فالموقفُ مِنْ هَذِهِ الفئةِ هُوَ ما أمرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أخذِ الحذرِ مِنْهُم، وعدمِ الاستماعِ لهم. قَالَ السِّندي رَحِمَهُ اللهُ: ((قَوْلُهُ: ((فَاحْذَرُوهُمْ)) أَيْ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، وَلَا تُجَالِسُوهُمْ، وَلَا تُكَلِّمُوهُمْ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الْبِدْعَةِ، فَيَحِقُّ لَهُمُ الْإِهَانَةُ، وَاحْتِرَازًا عَنِ الْوُقُوعِ فِي عَقِيدَتِهِمْ)). (حاشية السندي على سنن ابن ماجه 1/24) فانتبِهي أُختِي المسلمةَ مِنْ هؤلاءِ المُحاربينَ للدِّينِ، الَّذِينَ ليسَ لهم هَمٌّ إلَّا طرحَ الشُّبهاتِ عَلَى عمومِ المُسلِمِينَ، والتَّصدُّرَ لتَشكيكِ المُسلِمِينَ فِي دينِهم. ويفعلونَ ذلكَ كُلَّهُ باسم الإِسْلَام. نُكْمِلُ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ والحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين