أمنا عائشة | الحلقة (22) | يا عائشة، قومي فأوتري

يا عَائِشَة، قومي فأوتري قيامُ اللَّيلِ مِنْ أشرفِ النَّوافِلِ الَّتِي يَتقرَّبُ بِهَا العبدُ إِلَى ربِّهِ، قَالَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((واعلم أنَّ شرفَ المُؤمنِ قيامُهُ باللَّيلِ)). كَمَا أخبرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ أَنَّهُ: ((دأبُ الصالحين))، قَبلَنا. وَهُوَ خَلوَةُ المسلمِ بربِّهِ سُبْحَانَهُ وتعالى، يناجيهِ فِيهِ، ويبثُّ فِيهِ شكواهُ. وَهُوَ عبادةٌ فرديَّةٌ بَيْنَ العبدِ وربِّهِ، ولكنْ فِي رمضانَ يُصلَّى جماعةً، فيتدرَّبُ المسلمُ عَلَى قيامِ اللَّيلِ مُدَّةَ شهرٍ واحدٍ، عساهُ أَنْ يَستمرَّ معَهُ بعدَ أَنْ ذاقَ لذَّتَهُ وحلاوَتَهُ فِي هَذَا الشَّهرِ المباركِ. وأقلُّ قيامِ اللَّيلِ أنْ يُحافظَ المسلمُ عَلَى صلاةِ الوترِ، فيُصلِّيها بعدَ العِشاءِ مباشرةً، أَوْ يُؤخِّرها حَتَّى آخرِ اللَّيل قبلَ أنْ ينامَ. وصلاةُ الوترِ أقلُّ ما يُقالُ فيها أنَّها سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ لم يَتركْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ ولا حَضَرٍ، وحثَّ المُسلِمِينَ عَلَى المحافظةِ عليها، ولذلكَ كَرِهَ العلماءُ أنْ يهجرَ المسلمُ صلاةَ الوترِ، فلا يُصلِّيها إلَّا فِي رمضانَ. وقدْ كانَ مِنْ تَرْبِيَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهُ كانَ يُوقظُهَا لِتُصلِّيَ الوترَ فِي آخرِ اللَّيلِ. تقولُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَإِذَا أَوْتَرَ، قَالَ: «قُومِي فَأَوْتِرِي ‌يَا ‌عَائِشَةُ» (رواه مسلم) إنَّ تَرْبِيَّةَ الزَّوْجَةِ عَلَى فعلِ الطَّاعاتِ مِنْ نوافلِ العباداتِ مِنْ مُهمَّةِ الزَّوجِ، وخاصَّةً إذا كانَ اللهُ قَدْ هداهُ ووفَّقَهُ لمِثلِ هَذِهِ الأعمالِ الصالحةِ، وكانَ لَهُ سَبْقٌ فِي ذلكَ عَلَى زوجِهِ، فهذهِ مِنْ جُملةِ حقوقِها عَلَيْهِ. وقدْ أمرَ اللهُ سُبْحَانَهُ وتعالى المسلمينَ أنْ يحموا أنفسَهُم وأهليهِم مِنَ النَّارِ، فقالَ سُبْحَانَهُ: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ‌وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ) [التحريم: 6] ومِنْ حمايةِ الرَّجُلِ لزوجِهِ مِنَ النَّارِ، أنْ يُرَبِّيَها عَلَى طاعةِ اللهِ، والمحافظةِ عَلَى إقامةِ شعائِرِ اللهِ ممَّا هُوَ فرضٌ عَلَى المُسلِمِينَ، أَوْ هُوَ قُربةٌ يَتقرَّبُ بِهَا المُسْلِمُونَ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ. وفِي فعلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَائِشَةَ فِي هَذَا الحديثِ تَرْبِيَةٌ لنا مَعشرَ المُسلِمِينَ مِنَ الأزواجِ الصَّالحين، فِي عِدَّةِ جوانبَ: الأول: إذا كانَ اللهُ قَدْ وفَّقَ الزَّوجَ لعملٍ صالحٍ مِنَ الأعمالِ، وقدْ بَرزَ فِيهِ، فلا يَصحُّ أنْ يُطالبَ زوجَهُ بنفسِ المُستوَى الَّذِي وصلَ إليهِ، فإنَّ الزَّوْجَةَ نَفسٌ بشريَّةٌ قَدْ تكونُ مهيَّأةً لعملٍ صالحٍ آخرَ غير ما برزَ فِيهِ الزَّوجُ، فلا يُطالبُها الزَّوجُ بما يقومُ بِهِ مِنَ الأعمالِ الصَّالحةِ. مِثلُ أنْ يُوَفَّقَ لكثرةِ الصِّيامِ، أَوْ لطولِ القيامِ، أَوْ لكثرةِ الصَّدقةِ، أَوْ كثرةِ قراءةِ القرآنِ، فلا يَصحُّ هُنا أنْ يطالبَ الزَّوجُ زوجَهُ بنفسِ المستوى الَّذِي يقومُ بِهِ مِنْ مثلِ هَذِهِ الأعمالِ. الثاني: أنَّ الزَّوجَ فِي تربيتِهِ لزوجِهِ عَلَى العملِ الصَّالحِ عَلَيْهِ أنْ يَحُثَّها ويُعينَها عَلَى القيامِ بهذِهِ الأعمالِ الصَّالحةِ بالحدِّ الأدنَى مِنْهَا بقدرِ المستطاعِ. الثالث: أنْ يراعيَ الزَّوجُ ميولَ زوجِهِ للعملِ الصَّالحِ، فيُعينُها عَلَيْهِ، فالنُّفوسُ البشريَّةُ مختلفَةُ المشاربِ والهوَى، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يميلُ إِلَى عملٍ غير ما يميلُ إليه غيرُهُ، وكلاهما عَلَى خيرٍ. الرابع: أنَّ التعاوُنَ بَيْنَ الزَّوْجَينِ عَلَى العملِ الصَّالحِ، قَدْ دلَّتْ عَلَيْهِ أحاديثُ كثيرةٌ، مِنْهَا: قولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وسلم: ((رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ، ‌نَضَحَ ‌فِي ‌وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى، نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ)). (رواه أبو داود) وَهَذَا التعاونُ عَلَى قيامِ اللَّيلِ قَدْ أثنَى رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنِ ابتدأ بِهِ مِنَ الزَّوْجَينِ، ودعا لَهُ بالرحمةِ. الخامس: الزَّوْجَةُ الصَّالحةُ، هِيَ الَّتِي تستجيبُ لزوجِهَا إذا دَعاهَا لمَا فِيهِ خيرُها وصلاحُها. هَذِهِ الاستجابةُ ستَتركُ أثرَها عَلَى الزَّوجِ، كَمَا تتركُ أثَرَها عَلَى نفسِها. أمَّا أثرُها عَلَى الزَّوجِ، فإنَّ الزَّوجَ إذا وجدَ تجاوبًا مِنْ زوجِهِ لَهُ، دعاهُ ذلكَ إِلَى الاستمرارِ فِي معاونتِها عَلَى العملِ الصَّالحِ، وتنويعِ هَذِهِ الأعمالِ لَهَا، وازدادَتْ مَكانةُ الزَّوْجَةِ فِي نفسِهِ. وأمَّا أثرُها عَلَى نفسِها، فإنَّ هَذَا تمهيدٌ لَهَا للمواظبةِ عَلَى العملِ الصَّالحِ والازديادِ مِنْهُ كَمَا وقعَ ذلكَ لأُمِّنا عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فإنَّها أصبحتْ مِمَّنْ يداومُ عَلَى قيامِ اللَّيلِ، ويطيلُ القيامَ. السادس: نستفيدُ مِنْ هَذِهِ القصَّةِ كذلكَ: بشريَّةَ الصَّحَابَةِ مِنَ الرِّجالِ والنِّسَاءِ، فإنَّ عَائِشَةَ بشرٌ تتعبُ وتُرهَقُ وتنامُ وتحتاجُ إِلَى مَنْ يُوقِظُها للصَّلاةِ. فلا يُتصَّورُ أنْ نُوجِدَ مجتمعًا صالحًا، يخلو مِنْ صفاتِهِ البشريَّةِ. فقدْ يسعى الزَّوجُ لإيقاظِ زوجِهِ لقيامِ اللَّيلِ ولكنَّها لا تستطيعُ فتعتذرُ إليهِ، أَوْ يدعوها إِلَى صيامِ يومٍ مِنَ الأيَّامِ وتعتذرُ لَهُ لعدمِ قدرتِها، وضعفِها، فلا ينبغي فِي مثلِ هَذِهِ الحالِ أنْ يتضايقَ الرَّجُلُ مِنْ زوجِهِ لأنَّها لمْ تستجبْ لَهُ. وأخيرًا، نحنُ فِي زمنٍ كَثُرتْ فِيهِ الفتنُ والضغوطُ عَلَى الأُسْرَةِ لإفسادِها، وكَثُرَ الضَّغطُ عَلَى الرَّجُلِ لكسرهِ أمامَ المَرْأَةِ، وكَثُرَ الضَّغطُ عَلَى المَرْأَةِ لتتمرَّدَ عَلَى الزَّوجِ خاصَّةً، وعلى الرِّجَالِ عامَّةً. ولا يُنجي مِنْ هَذِهِ الضغوطِ إلَّا الاعتصامُ باللهِ وبحبلِهِ المتينِ، فإنْ وُفِّقَ الزَّوجُ لامرأةٍ صالحةٍ تُعينُهُ عَلَى طاعةِ اللهِ فهو الموفَّقُ، وقدْ حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا، وإنْ وُفِّقتِ المَرْأَةُ لزوجٍ صالحٍ يعينُها عَلَى طاعةِ اللهِ، فَهيَ المُوفَّقةُ، فإمَّا أنْ يتعاونَا ويتطاوعَا عَلَى طاعةِ اللهِ، وإلَّا فهذهِ خسارةٌ لفرصةٍ قُدِّمت لَهَما عَلَى طَبَقٍ مِنْ ذَهبٍ فِي زمنٍ قلَّت فِيهِ مثلُ هَذِهِ الفرصِ. اللهمَّ أصلِحْ نفوسَنا، وأصلِحْ لنا أزواجَنا. نُكْمِلُ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ والحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين