أمنا عائشة | الحلقة (26) | يا عائشة، الأنصار يعجبهم اللهو
يا عَائِشَة الأنصار يعجبهم اللهو
خلقَ اللهُ النَّفسَ البشريَّةَ وَهُوَ أعلمُ بِهَا وبِمَا يُصلِحُها، فأنزلَ لَهَا تشريعًا يُناسبُ فِطرتَها ويُحدثُ لَهَا توازنًا فِي حياتِها، ومتى ما ابتعدتْ عَنْ هَذَا التشريعِ تاهتْ فِي ظلامِ الجهلِ، وتحوَّلتْ حياتُها إِلَى تعاسةٍ.
إنَّ البحثَ عَنِ السَّعادةِ مطلبُ كُلِّ النَّاسِ، ولكنْ مِنْهُم مَنْ يُدركُ أنَّ طريقَ السَّعادةِ هُوَ اتباعُ هَذَا الدِّينِ العظيمِ الَّذِي ارتضاهُ اللهُ لنَا، فيَسعدُ برضى ربِّهِ، ومِنْهُم مَنْ يَظُنُّ أنَّ الدِّينَ مصدرُ شقاءٍ وضيقٍ فِي الحياةِ الدُّنْيَا، فيبحثُ عَنِ السَّعادةِ فِي مَلاهِي الحياةِ فيغرقُ فِيَها ثمَّ لا يجدُ السَّعادةَ.
إنَّ الإِسْلَامَ جاءَ بتشريعٍ فِيه توازنٌ بَيْنَ العبادةِ الجادَّةِ، ومُشتهياتِ النَّفسِ البشريَّةِ مِنَ اللَّهوِ المُباحِ، فأعطى كُلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ.
فمَنْ طبَّقَ هَذَا التوازنَ نالَ سعادةَ الدُّنْيَا والآخرةِ.
ومِنْ طبيعةِ النَّفسِ عِنْدَ النِّسَاءِ أنَّهُنَّ يُعجبُهنَّ اللَّهوُ، وخاصَّةً فِي المناسباتِ الجَمِيلَةِ، كالعيدينِ، وحفلاتِ الزَّواجِ، ولذلكَ راعَى الإِسْلَامُ هَذِهِ الطبيعةَ، وأباحَ لهُنَّ مِنَ اللَّهوِ ما تسعدُ بِهِ أنفسُهنَّ مِنْ غيرِ الولوجِ فِي الحرامِ.
والمتتبِّعُ لسيرةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تعاملِهِ مَعَ طبيعةِ المَرْأَةِ يدركُ ذلكَ جيدًا.
فمِنَ الأمثلةِ عَلَى ذلكَ ما روتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّهَا زَفَّتِ امْرَأَةً إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يَا عَائِشَةُ، مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ؟ فَإِنَّ الأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْوُ)). (رواه البخاري)
المناسَبةُ هُنا فِي هَذِهِ القِصَّةِ هِيَ العُرسُ، ومِنْ طبيعةِ العُرسِ الفرحُ والسُّرورُ. وزادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الحديثِ أنَّ مِنْ طبيعةِ نساءِ الأنصارِ محبَّةَ اللَّهوِ، فاجتمعتْ فِي المناسَبةِ عدَّةُ أمورٍ كُلُّهَا تدعُو إِلَى استخدامِ اللَّهوِ وإظهارِ الفرحِ والسرورِ. فأرشدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زوجَهَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا إِلَى أهميَّةِ وجودِ ما يُفرحُ ويُسعدُ النِّسَاءَ فِي هَذِهِ المناسَبَةِ مِنَ اللَّهوِ المباحِ.
وكلمةُ (اللَّهو) فِي هَذَا الحديثِ، أَوْ كلمةُ (الغناء) فِي أحاديثَ أُخرَى ينبغِي أنْ تُفهمَ وفقَ مصطلحِ زمانِها الَّذِي قيلتْ فِيهِ، وكيفيَّةِ تطبيقِهَا فِي ذلكَ الزَّمانِ.
أمَّا فِي زماننا هَذَا، فإنَّ المصطلحَ وإنْ كانَ يحملُ نفسَ الكلمةِ إلَّا أنَّ المعنى قَدْ اختلفَ تمامًا، والوسائلُ والتَّطبيقاتُ قَدْ اختلفت كذلكَ، فلا يَحتجَّ أحدٌ بمثلِ هَذِهِ الأحاديثِ عَلَى تجويزِ باطلِهِ، أَوْ تحليلِ ما حرَّمَ اللهُ عزَّ وجلَّ.
قَالَ ابنُ الجوزي رَحِمَهُ اللهُ: ((وسُمِّي بذلكَ غِناءً لنوعٍ يثبتُ فِي الإنشادِ وتَرجيعٍ، ومثلُ ذلكَ لا يُخرجُ الطِّباعَ عَنِ الاعتدالِ، وَكَيْفَ يَحتجُّ بذلكَ الواقعِ فِي الزَّمانِ السَّليمِ عِندَ قلوبٍ صافيةٍ، عَلَى هذهِ الأصواتِ المطربَةِ الواقعةِ فِي زمانٍ كَدِرٍ عندَ نفوسٍ قدْ تملَّكَها الهَوَى! مَا هَذَا إلَّا مُغالطةٌ للفهمِ. أَوَ ليسَ قدْ صحَّ فِي الحديثِ عَنْ عائشةَ رَضِيَ اللَّهُ عنها أنَّها قالتْ: لو رَأى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أحدثَ النِّساءُ لمنعهنَّ المساجدَ؟!
وإنَّما ينبغِي للمفتِي أنْ يزنَ الأحوالَ، كَمَا ينبغي للطبيبِ أنَ يَزنَ الزَّمانَ والسنَّ والبلدَ، ثمَّ يصفُ عَلَى مقدارِ ذلكَ.
وأينَ الغِناءُ بِمَا تقاولتْ بِهِ الأنصارُ يومَ بُعاثٍ مِنْ غِناءِ أمردٍ مُستحسَنٍ بآلاتٍ مُستطابةٍ، وصناعةٍ تجذبُ إليها النَّفسَ، وغزليَّاتٍ يُذكرُ فيهِ الغزالُ والغزالةُ، والخالُ والخدُّ والقدُّ والاعتدالُ، فهل يثبتُ هناكَ طبعٌ! هيهاتَ بلْ ينزعجُ شوقًا إِلَى المُستَلذِّ. ولا يَدَّعِي أنَّهُ لا يجدُ ذلكَ إلَّا كاذبٌ أَوْ خارجٌ عَنْ حدِّ الآدميَّةِ)). (تلبيس إبليس ص212)
ثمَّ إنَّ هَذَا اللَّهوَ الَّذِي أجازهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأرشدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا إليهِ إنما هُوَ فِي مناسَبةِ العُرسِ، ولذلكَ اتَّفقَ العلماءُ عَلَى جوازهِ فِي وليمةِ العُرسِ. يقولُ ابنُ بطَّال: «اتَّفقَ العُلماءُ عَلَى جوازِ اللَّهوِ فِي وليمةِ النِّكاحِ، مثلُ ضربِ الدُّفِّ وشبههِ ما لمْ يكنْ مُحرَّمًا، وخُصَّتُ الوليمةُ بذلكَ ليَظهرَ النِّكاحُ وينتشرَ فتثبُت حقوقُهُ وحُرمَتُهُ)). (شرح صحيح البخارى 7/ 279)
وَهَذَا النوعُ مِنَ اللَّهوِ مِنْ خصائصِ النِّسَاءِ، وليسَ مِنْ طبيعةِ الرِّجَالِ، ولذلكَ قَالَ ابنُ حجرٍ رَحِمَهُ اللهُ: ((وَالْأَحَادِيثُ الْقَوِيَّةُ فِيهَا الْإِذْنُ فِي ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ، فَلَا يَلْتَحِقُ بِهِنَّ الرِّجَالُ، لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِهنَّ)). (فتح الباري 9/226)
فأينَ هَذَا اللَّهوُ مِمَّا نراهُ اليومَ مِنَ المجونِ فِي كُلِّ وقتٍ وفِي كُلِّ مُناسبةٍ مشروعةٍ أَوْ مُبتدعةٍ، مَعَ اشتمالِهِ عَلَى المُحرَّماتِ مِنَ الخمورِ والنِّساءِ العارياتِ وآلاتِ الموسيقى والاختلاطِ؟!
فيا مَنْ صَامتْ رمضانَ، وقامتْ لياليهِ، لا تُفسدِي عَلَى نفسِكِ العيدَ بارتكابِ ما حرَّمَ اللهُ، فيسخطَ اللهُ عليكِ.
أسألُ اللهَ أنْ يَتقبَّلَ مِنَّا جميعًا صالحَ العملِ، وأنْ يجعلَ عيدَنَا مُبارَكًا علينا أجمعينَ.
ويكفينا الفرحُ بما مَنَّ اللهُ علينا مِنْ إدراكِ رمضانَ، والتوفيقِ لصيامِهِ وقيامِهِ.
نسألُ اللهَ أنْ يتقبَّلَ مِنَّا.
نُكْمِلُ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ
والحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين