أمنا عائشة | الحلقة (7) | يا عائشة هم الذين يصلون ويتصدقون، وقلوبهم وجلة
يا عائشة هم الذين يصلون ويتصدقون
فِي هَذِهِ الأَيَّامِ المُبَارَكةِ يُقْبِلُ النَّاسَ عَلَى الطَّاعَةِ والإِكثَارِ مِنْهَا. وَهَذَا مِنْ فَضلِ الله عَلَى النَّاس، ولِمَا خَصَّ الله بِهِ هَذَا الشَّهْرَ الفضيل مِنْ تَصْفِيدِ الشَّيَاطِينِ، وإغلاقِ أبوَاب النَّار، وفتح أبوَاب الجِنَان.
ومع إِقْبَال النَّاس عَلَى الطَّاعَة بأنواعها المُختلفة؛ مِنَ الصَّلَوَات والصَّدقات وقِرَاءة القُرْآن، تَجِدُهم كذلك يَبْتَهِلون فِي دُعائهم أَنْ يَتَقبَّلَ الله ذلك مِنْهُم. وهذه صِفَة المُؤْمِن؛ الخَوْف مِنْ عَدمِ القَبُول.
قال تعالى: (إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٥٧ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ٥٨ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ ٥٩ وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ ٦٠ أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ ٦١) [المؤمنون: 57-61]
لمَّا قَرَأت عَائِشَةُ رضي الله عنها هَذِهِ الآية، ظَنَّت أَنَّ المقصُودَ بهم العُصاة، فسألت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الآية، فقالت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، (وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ) أَهُمُ الَّذِينَ يُخْطِئُونَ وَيَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي؟ فَقَالَ: ((لا، يَا عَائِشَةُ، هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)) (رواه الطبراني فِي الأوسط)
قال ابن كثير رحمه الله: ((أَيْ: يُعْطُونَ الْعَطَاءَ وَهُمْ خَائِفُونَ أَلَّا يُتَقَبَّلَ مِنْهُمْ، لِخَوْفِهِمْ أَنْ يَكُونُوا قَدْ قَصَّرُوا فِي الْقِيَامِ بِشُرُوطِ الْإِعَطَاءِ. وَهَذَا مِنْ بَابِ الْإِشْفَاقِ وَالِاحْتِيَاطِ)). (تفسير ابن كثير 5/480)
فَأَهْلُ الإِيمَانَ يَعْمِلُون الصَّالحَات، ويَخَافون أَلَّا يُقْبل مِنْهُم العمل، بِسَبَبِ تَقصيِرهم فِيهِ أَوْ نقص إخلاصهم. قَالَ ابن تَيْمِيَّة رحمه الله: ((وَخَوْفُ مَنْ خَافَ مِنَ السَّلَفِ أَنْ لَا يُتَقَبَّلَ مِنْهُ لِخَوْفِهِ أَنْ لَا يَكُونَ أَتَى بِالْعَمَلِ عَلَى وَجْهِهِ الْمَأْمُورِ)). (مجموع الفتاوى 7/496)
قَالَ الْحَسَنُ البَصري: ((عَمِلُوا وَاللَّهِ بِالطَّاعَاتِ، وَاجْتَهَدُوا فِيهَا، وَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ جَمَعَ إِحْسَانًا وَخَشْيَةً، وَالْمُنَافِقَ جَمَعَ إِسَاءَةً وَأَمْنًا)). (مدارج السالكين 1/507)
وقَالَ ابن القَيِّم رحمه الله: ((وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَصَفَ أَهْلَ السَّعَادَةِ بِالْإِحْسَانِ مَعَ الْخَوْفِ، وَوَصَفَ الْأَشْقِيَاءَ بِالْإِسَاءَةِ مَعَ الْأَمْنِ)). (الجواب الكافي 40)
هَذَا الخَوْفُ مِنْ عَدَمِ قَبُول العملِ قادهم إلى المُسَارعَةِ فِي الخَيْرَات، كما وصفهم الله عزَّ وَجَّل: (أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ). قال السعدي رحمه الله: ((أَيْ: فِي مَيدانِ التَّسَارُعِ فِي أفعال الخَيْر، هَمُّهُم ما يُقَرِّبُهم إلى الله، وإِرَادَتُهُم مَصْرُوفة فِيمَا يُنْجِي مِنْ عَذابِه، فكُلُّ خَيرٍ سَمِعوا بِهِ، أَوْ سَنَحت لهم الفُرْصة إليهِ، انْتَهَزُوهُ وبَادَرُوهُ)). (تفسير السعدي 554)
فهذا الخَوْفُ مَمْدوحٌ، لأَنَّهُ قَادَهُمُ إلى المُسَارَعَةِ فِي الخَيْرَاتِ. قَالَ ابنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله: ((فَخَوْفُهُ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي الطَّاعَةِ، مِنْ كَمَالِ الطَّاعَةِ)). (منهاج السنة النبوية 6/158)
إنَّ هَذَا التَّعْلِيم مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعَائِشَةَ رضي الله عنها، تَرَكَ بصَمَاتهِ عَلَى حيَاتِها، وعلى مُسَارعتِهَا فِي الخَيْرَات. وَمَنْ تَنَعَّمَ بقراءة سِيرَتِها العَطِرَة وَجَدَ مِصْدَاقَ ذلك فِي أمثلَةٍ كَثِيرةٍ مِنْ حَيَاتِها. ولقد قَالَتْ عِنْدَ مَوتِها مِنْ شِدَّةِ وَجَلِهَا: وددتُ أنِّي كنتُ نسيًا منسيًا.
(رواه عبدالرزاق فِي المصنف)
إنَّ دِراسَةَ حياةِ أُمِّنَا عَائِشَةَ رضي الله عنها مع رسولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَزِيدُنَا حبًّا لِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتَعَلُّقًا بِهِ وبطريقَتِهِ فِي تعليم أَهْلِ بَيْتِهِ. كمَا تَزِيدُنَا يَقِينًا بشدَّة مَحبَّة النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعَائِشَةَ، وشدَّة مَحَبَتِها لهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ونحنُ نحبُّ مَنْ أَحبَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فنُحبُّ عَائِشَةَ رضي الله عنها، ونَتَرَضَّى عليها، ونُسمِّي بَناتِنَا باسمِها.
نسألُ الله أَنْ يَرزقْنَا خَشْيَتَهُ فِي السرِّ والعَلَنِ، وأَنْ يجعلَنا مِمَنْ يُسَارِعون فِي الخَيْرَاتِ وهُم لها سابقون.
نُكْمِلُ غَدًا إنْ شَاءَ اللهُ
والحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين